RSS

التعليم الطبي السعودي على مفترق طرق

التعليم الطبي السعودي على مفترق طرق

سمعنا وقرأنا قبل أسابيع عن إيقاف وزارة الصحة لعقود أطباء الزمالة وقبل ذلك صعوبة الحصول على قبول في برامج التخصص (الدراسات العليا الإكلينيكية) للأطباء وقبلها عن عدم توفر وظائف لأطباء الأسنان وكذلك خريجي الإدارة الصحية وخريجي الدبلومات الصحية.

واستكمالا لمقالتي “دراجة الرعاية الصحية” ثلاثية الإطارات (تقديم الرعاية ، التعليم ، الأبحاث) ، والتي بدأت بتناول أول إطاراتها “إطار الأبحاث” في مقالة سابقة، سأتطرق في هذه المقالة والتي تليها إلى أعقد إطارات دراجة الرعاية الصحية وأصعبها تنفيذا وأهمها على الإطلاق ، إطار رأس المال البشري الصحي وتعليمه تطويره. وتكمن أهميته أنه المحرك لبقية الإطارات ، فعندما نخرّج ونطوّر ممارسين صحيين متمكنين علماً ومهارةً ، وعلى معرفة بمعايير جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى ، ومؤمنين بأهمية الأبحاث وضرورة الاستناد على الطب المبني على البراهين عندها ستسهل مهمة بقية الإطارات وسنصل إلى رعاية صحية نموذجية.

“المرضى يأتون ثانياً Patients Come Second” عنوان مثير (يتعارض مع ما ننادي به “المريض أولا”) لكتاب كتبه اثنان من خبراء تحسين تجربة المرضى وتعزيز سلامتهم في الولايات المتحدة الأمريكية. يؤكدون فيه على أهمية بناء وتطوير قدرات أعضاء الفريق الصحي، وتوسعوا في تعريفهم ليشملوا كل شخص متواجد في موقع لتقديم الرعاية الصحية ابتداءاً بعامل النظافة وانتهاءاً بمدير المنشأة الصحية. وأساس نقاشهم أن تطوير وتمكين العميل الداخلي (الموظف والممارس الصحي) شرط أساسي لخدمة العميل الخارجي (المريض) خدمة راقية بجودة عالية.

لن أتحدث في هذه المقالة عن الكادر الصحي والبدلات، ولا عن الحقوق والواجبات فهذه أمور قانونية ذات علاقة وطيدة بالمتخصصين في الموارد البشرية. ولكن سأتحدث عما يعرف بالتعليم الطبي Medical Education (أوبصورة أشمل “تعليم المهن الصحية Health Professions Education”). سأذكر وجهة نظري في هذه المقالة كممارس صحي استشاري جراحة عظام وكعضو هيئة تدريس حاليا وكتنفيذي صحي في أحد المنشآت الصحية وكمرشح دكتوراة في التعليم الطبي سابقا. سأذكر نقاط القوة لنبني عليها ومواطن التحسين لنقوّمها والفرص المستقبلية لنستغلها والتحديات لنتجنبها لنصل إلى ريادة عالمية للرعاية الصحية السعودية وممارسيها والمستفيدين منها.

أبدأ المقالة بتغريدة طرحتها قبل 4 سنوات

 

وأعدت التساؤل قبل عدة أيام كإستبيان أجاب عليه حوالي 1500 متابع.

 

ولاتزال الإجابة على هذا السؤال غامضة. سأحاول في هذه المقالة أن أوضح مفهوم تعليم المهن الصحية وارتباطه بتخطيط القوى العاملة ، وتحليل مختصر لوضع التعليم الطبي في السعودية ، وسأقوم في المقالة القادمة بطرح بعض الأفكار والاقتراحات. ونظرا لطول المقالة سأبدأها بمختصر تنفيذي في الصورة التالية.

تعليم المهن الصحية في السعودية

مختصر مقالة التعليم الطبي السعودي على مفترق طرق


 
 

نبذة عن تعليم المهن الصحية

إن تعقيد وصعوبة مجال “تعليم المهن الصحية” سببه أنه يهتم بتخطيط وتنفيذ ومتابعة وتقييم وتطوير برامج الدبلوم والبكالوريوس والماجستير والدكتوراة وبرامج شهادات التخصص الإكلينيكية والزمالات وبرامج التطوير المهني المستمر لجميع الممارسين الصحيين (أطباء بتخصصاتهم مثل الطب الباطني وتخصصاته العامة والفرعية ،  والجراحة بتخصصاتها الدقيقة ، وطب الأطفال بتخصصاته ، وطب النساء والولادة بفروعه ، بالإضافة إلى غيرها من التخصصات الصحية مثل ، طب الأسنان بتخصصاته ، والصيدلة بأنواعها وفروعها ، والتمريض بتشعباته ، إضافة إلى فنيي وأخصائيي المختبرات والعلاج التنفسي والعلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي والأشعة ومقدمي الرعاية الطارئة وأخصائي التغذية الخدمة الاجتماعية وغيرهم من الممارسين الصحيين الذين لهم علاقة مباشرة بالمريض أو غير مباشرة  مثل الإدارة الصحية). علماً بأن عدد المهن الصحية (بدون تخصصاتها الفرعية) أكثر من 120 تخصصا صحيا ، قد يشتركون لخدمة مريض واحد.

ومن الطبيعي أن تكون هناك كفاءات competencies يجب توفرها في كل ممارس صحي من الناحية المعرفية والمهارية والسلوكية ، كلٌ حسب تخصصه. فالكفاءات المتخصصة المطلوبة للممرضين تختلف عن الكفاءات المطلوبة للصيادلة. وفي المقابل هناك كفاءات مشتركة (بينية) interprofessional competencies يجب أن تتوفر في أي ممارس صحي مثل أساسيات الأخلاقيات المهنية وأساسيات سلامة المرضى وأساسيات تحسين تجربة المريض وأساسيات التطوير المستمر ومفهوم الرعاية الصحية المبنية على البراهين وأساسيات التواصل والعمل بروح الفريق والتعامل مع الضغوط.

وتكمن صعوبة مجال “تعليم المهن الصحية” في ضرورة تناغم: 1.التخطيط لأعداد وتخصصات المهن الصحية في أي دولة ، مع 2. إنشاء البرامج التعليمية لتجهيز الممارسين بما يناسب الدولة ، مع 3. تنفيذ برامج التطوير المستمر لهذه المهن منذ بداية ممارستها وحتى تتقاعد. ويعتمد التخطيط لأعداد وتخصصات المهن الصحية على أولويات ونموذج عمل الرعاية الصحية Healthcare Business Model في الدولة والسيناريوهات المحتملة لنماذج الرعاية scenarios generation والذي بدوره يعتمد على عدد السكان ومعدل النمو السكاني وعبء الأمراض Burden of Diseases ومعدل الوفيات إضافة إلى معدلات تخريج وبقاء القوى العاملة الحالية وقدرة استيعاب الكليات والجامعات.

وبغض النظر عن جميع هذه الصعوبات والتداخلات ومختلف المدارس الفكرية والعلمية التي مرّ بها الممارسون الصحيون باختلاف مشاربهم، النتيجة النهائية التي تهم المشرّع والمنظّم والممول للخدمة الصحية هي تقديم رعاية صحية راقية ذات جودة عالية للمستفيد. السؤال الأهم كيف يمكننا أن ننسق بين جميع هذه المتغيرات والمهن والقطاعات لنصل لفريق متجانس يقدم رعاية صحية متميزة في كل منشأة صحية في وطننا الغالي؟

 

مراحل التعليم الصحي

إضافة لما ذكرته من تعدد تخصصات المهن الصحية والكفاءات التخصصية لكل مهنة إضافة إلى الكفاءات المشتركة ، فإن كل تخصص من هذه التخصصات سابقة الذكر يمر بعدة مراحل في التطور المهني للممارس. وسأسرد هذه المراحل بأمثلة في السعودية:

  1. مرحلة ماقبل البكالوريوس (مثل الدبلوم): في بعض التخصصات مثل التمريض والصيدلة والتعقيم والأشعة وغيرها. وقد كانت هناك العديد من الكليات والمعاهد الخاصة والحكومية بعضها تابعة لوزارة الصحة  تقدم هذه الشهادات سابقا ولكنها ألغيت. وبإمكان الفنيين المتخرجين من هذه الدبلومات إكمال درجة البكالوريوس ضمن برنامج يعرف بالتجسير.
  2. البكالوريوس: لمعظم التخصصات الصحية وهي من مهام الجامعات التي تتبع لوزارة التعليم (التعليم العالي سابقا).
  3. الماجستير والدكتوراة: وهي برامج دراسات عليا في بعض التخصصات الصحية وهي من مهام الجامعات أيضا.
  4. برامج الدراسات العليا الإكلينيكية Residency & Fellowship: وهي برامج دراسات عليا أغلبها في التخصصات الفرعية للطب وطب الأسنان ، وتقام هذه البرامج في معظم المستشفيات بعد اعتراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية بها كمراكز معتمدة ، ومن ثم يتم التدريب لسنوات تتراوح من 4 إلى 6 سنوات حسب التخصص ويكون التدريب تحت إشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية  وتنتهي بشهادة التخصص والتي تعادل الدكتوراة بعد اجتياز امتحانات تنفذها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية.
  5. برامج تأهيلية وتطويرية: وهي برامج تدريبية لمدد قصيرة قد تنتهي بمؤهل أو بدون مؤهل ، تقام في عدد من المستشفيات ، وفق ضوابط تضعها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية.
  6. التعليم الطبي المستمر CME (أو ماصار يعرف حديثا بمفهوم أوسع بالتطوير المهني المستمر Continuous Professional Development): وهي أكبر مدة يقضيها الممارس الصحي بعد تخرجه من درجة البكالوريوس أو الدراسات العليا ، وهي نشاطات ملزمة بعدد محدد من ساعات التطوير المستمر (تختلف حسب التخصص) يجب على الممارس الصحي حضورها لتجديد إصدار رخصة ممارس صحي وجميع هذه البرامج التي تقام في جميع المستشفيات والمراكز الطبية حول المملكة هي تحت إشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية.

كل مرحلة من المراحل المذكورة أعلاه هي مجال علمي له نظرياته ومناهجه وطرق تدريسه وطرق تقويمه ، وله المتخصصين فيه من حملة الماجستير والدكتوراة في التعليم الطبي (أو بمفهومه الأشمل تعليم المهن الصحية).

 

أصحاب المصلحة Stakeholders

وحتى يتضح تعقيد مفهوم تعليم المهن الصحية في السعودية ، سأسرد أهم الجهات ذات العلاقة في هذا المجال. وكل جهة تؤثر وتتأثر بشكل ايجابي أو سلبي بتخطيط وتعليم وتطوير ممارسي المهن الصحية.

  1. وزراة الصحة: تقدم 60% من الرعاية الصحية في المملكة. ومن ضمن مهامها التي حددتها المادة الخامسة من النظام الصحي عام 1423 هـ  “5- وضع البرامج لإعداد القوى العاملة في المجال الصحي وتطويرها بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة”. في الوقت الحالي ، الوزارة تقوم بتخطيط الكوادر الصحية لمستشفياتها فقط.
  2. بقية القطاعات الصحية التي تقدم الخدمة الصحية: المؤسسة العامة لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث ، مستشفيات وزارة الحرس الوطني ووزارة الدفاع وقوى الأمن والقطاعات الحكومية الأخرى (أرامكو ، التأمينات الاجتماعية ، الهيئة الملكية للجبيل وينبع) والمستشفيات الجامعية والمستشفيات الخاصة. وتقوم هذه المستشفيات بالتخطيط لكوادرها الصحية كل مستشفى على حدةٍ.
  3. المجلس الصحي السعودي: والذي من ضمن اختصاصاته ، التي نصت عليها المادة 17 من النظام الصحي عام 1423 هـ ، وضع وإقرار سياسة التنسيق والتكامل بين جميع الجهات المختصة بتقديم خدمات الرعاية الصحية في عدة مجالات ، ذكرت منها تعليم القوى العاملة في المجال الصحي وتدريبها وتوظيفها. ويرأس المجلس الصحي السعودي معالي وزير الصحة.
  4. الهيئة السعودية للتخصصات الصحية: وقد نصت المادة الثانية من نظام الهيئة السعودية للتخصصات الصحية 1413 وشملت أهداف ومهام الهيئة “9-المشاركة في اقتراح الخطط العامة لإعداد وتطوير القوى العاملة في المجالات الصحية” إضافة إلى مهام مثل “1ـ وضع البرامج التخصصية الصحية المهنية وإقرارها والإشراف عليها، ووضع البرامج للتعليم الطبي المستمر في التخصصات الصحية وذلك في إطار السياسة العامة للتعليم ، 2-تشكيل المجالس العلمية الصحية واللجان الفرعية اللازمة لأداء عمل الهيئة والإشراف عليها وإقرار توصيتها ، 3-الاعتراف بالمؤسسات الصحية لأغراض التدريب والتخصص فيها بعد تقويمها ، 4-الإشراف – من خلال اللجان والمجالس العلمية المتخصصة – على الامتحانات التخصصية وإقرار نتائجها ، 5-إصدار الشهادات المهنية كالدبلومات والزمالات والعضويات سواء تم الامتحان من قبلها مباشرة أو بالتعاون معها ، 6-التنسيق مع المجالس والهيئات والجمعيات والكليات المهنية الصحية الأخرى داخل المملكة وخارجها ، 7-تقويم الشهادات الصحية ومعادلتها”. ويرأس مجلس أمناء الهيئة معالي وزير الصحة.
  5. المركز السعودي لاعتماد المنشآت الصحية (سباهي): والذي صدر تنظيمه في عام 1436هـ ، وقد بدأ كبرنامج للجودة الشاملة في منطقة مكة المكرمة عام 2001م ثم أصبح “المجلس المركزي لاعتماد المنشآت الصحية” في 2005م. وقد أعطى التنظيم الجديد المزيد من الصلاحيات للمركز لوضع المعايير الوطنية لاعتماد المنشآت الصحية والتي تشمل معايير لها علاقة بالممارسين الصحيين ، وألزم جميع المنشآت الصحية في السعودية بضرورة الحصول على هذا الاعتماد. ويرأس المركز مدير عام يرتبط برئيس المجلس الصحي السعودي معالي وزير الصحة.
  6. الجمعيات العلمية الصحية: هناك حوالي 40 جمعية علمية صحية تحت إشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية وحوالي 60 جمعية علمية صحية تحت إشراف بعض الجامعات (جامعة الملك سعود ، جامعة الملك عبدالعزيز ، جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية ، جامعة الملك فيصل ، جامعة الدمام ، جامعة الملك خالد ، جامعة طيبة ، جامعة القصيم). ومن ضمن أهداف هذه الجمعيات ذات العلاقة بالممارسين الصحيين ،  سواء التي تقع تحت إشراف الهيئة أو تلك التي تحت إشراف الجامعات ، أنها “تعمل على تنمية الفكر العلمي والمهني وتطوير الأداء لأعضائها في مجال تخصصهم  ، إتاحة الفرصة للممارسين الصحيين في مجال تخصص الجمعية في الإسهام في حركة التقدم العلمي ، تيسير تبادل الانتاج العلمي بين المؤسسات والهيئات المعنية ، تقديم المشورة والقيام بالدراسات اللازمة لرفع مستوى الاداء في تخصص الجمعية ، المساهمة في وضع معايير ممارسة المهنة في تخصص الجمعية والمشاركة في مراقبة أدائها والمحافظة عليها”.
  7. الجمعية السعودية للتعليم الطبي: هي واحدة من الجمعيات الصحية التخصصية المذكورة أعلاه ، ويقع مقرها الرئيسي بجامعة الملك خالد. وقد أفردت لها فقرة منفصلة لعلاقتها الوطيدة بموضوع المقالة ، حيث تضم هذه الجمعية كوكبة من الخبراء في التعليم الطبي من حملة الماجستير والدكتوراة في التعليم الطبي وتعليم المهن الصحية. وباستثناء المؤتمر الدولي الذي يقام كل عامين والاجتماعات الربع سنوية لفروع الجمعية في مناطق المملكة المختلفة ، وحسب علمي وكذلك موقعهم الالكتروني ، فإن الجمعية لم تقم بأية مشاريع استشارية لصالح أي جهة.
  8. الجمعية السعودية للإدارة الصحية: أُنشئت عام 2010م تحت مظلة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية. وقد أفردت لها نقطة مستقلة لعلاقة الإدارة الصحية بتخطيط وإدارة الموارد البشرية وارتباط الموضوع بتعليم المهن الصحية. ولم أتمكن من الحصول على معلومات من موقعهم الالكتروني بشأن أي مشاريع تنفيذية قامت بها هذه الجمعية لأي منشأة صحية باستثناء الدورات والمؤتمرات.
  9. الكليات والجامعات: وبالرغم من أنني لم استطع الوصول إلى قائمة رسمية تجمع الكليات الصحية في صفحة واحدة في مواقع وزارة التعليم أو الجهات الصحية ذات العلاقة ، إلا أن المتابع يلاحظ أن عدد كليات الطب السعودية ازداد من كلية طب واحدة أنشأت عام 1967م في جامعة الملك سعود إلى ست كليات طب بحلول عام 2000م ، إلى أكثر من 30 كلية طب سعودية اليوم. ونفس الملاحظة لكليات طب الأسنان والتي أنشأت أول كلية طب أسنان بجامعة الملك سعود عام 1975م  ، وبحلول عام 2000م أصبح عددها ثلاث كليات طب أسنان ، واليوم وصل العدد إلى 26 كلية طب أسنان سعودية. أما بالنسبة لكليات الصيدلة ، فحتى عام 2000م كانت هناك كلية صيدلة واحدة (أنشئت في جامعة الملك سعود عام 1959م) ، أما اليوم فيبلغ عدد كليات الصيدلة 28 كلية صيدلة. ولم أتمكن من الحصول على أرقام واضحة لعدد كليات التمريض والتخصصات الأخرى. وتعتبر الكليات والجامعات الحكومية والخاصة الرافد الرئيس للتعليم الأساسي للقوى العاملة الصحية.
  10. اللجان الاستشارية لعمداء الكليات الصحية: لجنة عمداء كليات الطب السعودية ، لجنة عمداء كليات طب الأسنان السعودية وهما لجنتان استشاريتان وليس لهما صبغة تنفيذية إلزامية. ولا توجد أي لجان لعمداء الكليات الصحية الأخرى حسب موقع وزارة التعليم (رغم علمي بوجود لجنة لعمداء كليات التمريض). ومن أهم مشاريع لجنة عمداء الطب اعتماد وتبني نتائج مشروع دكتوراة لأحد المتخصصين في التعليم الطبي وهو كفاءات وجدارات خريج كليات الطب السعودية SaudiMEDS. غير أن هذه الكفاءات غير إلزامية على كليات الطب السعودية نظرا للصبغة الاستشارية للجنة. والجدير بالذكر أن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية المسؤولة عن الدراسات العليا الصحية قد اعتمدت إطار آخر للكفاءات والجدارات مبني على النموذج الكندي CanMEDS في برامجها لتخصصات الأطباء.
  11. الهيئة الوطنية للتقويم والاعتماد الأكاديمي NCAAA: أُنشئت الهيئة في 1424 هـ لتكون الجهة “المسؤولة عن شؤون ضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي في مؤسسات التعليم فوق الثانوي عدا التعليم العسكري ، بغرض الارتقاء بجودة التعليم فوق الثانوي الحكومي والأهلي ، وضمان الوضوح والشفافية ، وتوفير معايير مقننة للأداء الأكاديمي”. وكانت الهيئة تحت إشراف مجلس التعليم العالي وعدلت بعد ذلك لتصبح تحت إشراف مجلس التعليم الأعلى ، وكان يرأس مجلس إدارتها معالي وزير التعليم العالي (ثم أصبح معالي وزير التعليم بعد دمج الوزارتين). وقد تم هذا العام نقل ارتباط الهيئة من وزارة التعليم إلى “هيئة تقويم التعليم”. وقد قامت الهيئة الوطنية للتقويم والاعتماد الأكاديمي بجهود جبارة خلال السنوات الأخيرة بوضع أدلة ومعايير لضمان الجودة والاعتماد المؤسسي والبرامجي. كما نشرت الهيئة المعايير الأكاديمية لمحتوى برامج الشريعة وكذلك لمحتوى برامج اللغة العربية. وليس هناك أي معايير لمحتوى البرامج الصحية في موقعهم الالكتروني. وبالرغم من أن الهيئة قد اعتمدت بعض الجامعات والكليات وكذلك بعض البرامج الصحية ، إلا أن موقعهم الالكتروني يخلو من أي معلومات عن هذه المؤسسات والبرامج.
  12. هيئة تقويم التعليم: هي هيئة حكومية ذات شخصية إعتبارية مستقلة مالياً وادارياً ، ويتم تعيين رئيس مجلس إدارتها بمرسوم ملكي ، ويتبع رئيس مجلس الوزراء وليس وزير التعليم كما كان سابقا. كانت “هيئة التعليم العام” تعنى بمسائل التعليم العام ، ولكن بعد تغيير اسمها وإضافة “الهيئة الوطنية للتقويم والاعتماد الأكاديمي” و”المركز الوطني للقياس والتقويم” لمنظومتها ، أصبحت تعنى بجودة التعليم بجميع مراحله وفروعه.
  13. المركز الوطني للقياس والتقويم “قياس”: أُنشئ المركز عام 1421 هـ وكان يتبع لوزارة التعليم العالي ، وقد انتقلت مرجعيته هذا العام إلى “هيئة تقويم التعليم”. ويقوم المركز بإجراء اختبارات التحصيل الدراسي واختبار القدرات العامة لخريجي الثانوية والجامعيين بالإضافة إلى اختبارات مهنية أخرى. وقد يكون هناك الكثير من الخبرات المتراكمة في المركز الوطني للقياس والتقويم لتستفيد منه الهيئة السعودية للتخصصات الصحية.
  14. الإدارة العامة للابتعاث بوزارة التعليم وبرنامج خادم الحرمين للابتعاث الخارجي: وبه عدد كبير من المبتعثين في المهن الصحية لدرجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراة والزمالات الصحية إضافةً إلى مبتعثي الجهات الحكومية المختلفة. وقد بلغ عدد المقيدين من المبتعثين في المجال الصحي في عام 1434 هـ أكثر من 30 ألف طالب.
  15. وزراة الاقتصاد والتخطيط: خاصةً فيما يتعلق بشؤون التنمية البشرية والمجتمعية وشؤون التنمية القطاعية في مجال الخدمات.
  16. الهيئة العامة للإحصاء: سواءاً دليل التصنيف المهني (الذي بحاجة إلى تحديث) أو إحصاءات الكليات والمعاهد الصحية وطلابها وأعضاء هيئات التدريس بها وتغيراتها ، وإحصاءات المستشفيات والممارسين الصحيين.
  17. وزارة الخدمة المدنية: خاصةً ماتنص عليه لائحة الوظائف الصحية لموظفي القطاعات الحكومية.
  18. وزارة العمل والشؤون الاجتماعية: فيما يخص نظام العمل للممارسين الصحيين العاملين بمستشفيات التشغيل الذاتي والمستشفيات الخاصة.
  19. صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف): ويعنى بتوطين الوظائف في القطاع الخاص.
  20. هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة: والتي صدر تنظيمها في ذي الحجة 1436 هـ.
  21. طلاب الثانوية العامة: لا أعلم إن كانت هناك برامج تقيمها وزارة التعليم لمساعدة خريجي الثانوية في اتخاذ قرارتهم بشأن تخصصاتهم المستقبلية أم هي اجتهادات في كل منطقة تعليمية أم تركها الجميع لقائد كل مدرسة؟
  22. طلاب الكليات الصحية: بدأت فكرة يوم المهنة الطبي عام 2007م من قبل مجموعة من طلاب الطب بجامعة الملك عبدالعزيز لمساعدة طلاب الطب على اختيار تخصصاتهم الطبية. واستمرت منذ ذلك الحين كمبادرة طلابية سنوية ودعمت من قبل الجامعات السعودية.
  23. الممارسون الصحيون: بلغ عدد الممارسين الصحيين المسجلين في الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في المملكة (في جميع القطاعات الصحية)عام 2014م 457,246 ممارس صحي.منهم 128,828 طبيب (أي بنسبة 28% من الممارسين) ، وتبلغ نسبة السعوديين بين الأطباء 20%. وحيث أن الأرقام دمجت أطباء الأسنان فلايمكن حساب المعدل المثالي لعدد الأطباء لكل 1000 نسمة. والجدير بالذكر أن نسبة أطباء الأسرة منخفضة في السعودية حيث تبلغ نسبتهم 2% من جميع الأطباء. أما التمريض فيبلغ عددهم 245،985 (أي بنسبة 54% من جميع الممارسين الصحيين) وتبلغ نسبة السعوديين من كادر التمريض 29,5%. أما الصيادلة فيبلغ عددهم 39،945 (يمثلون 8,7% من إجمالي الممارسين الصحيين) ونسبة السعوديين بينهم 17،6%. والتخصصات الصحية المساندة بلغ عددها 42،488 (يمثلون 9،3% من الممارسين الصحيين) ونسبة السعوديين بينهم 80%. وبالنسبة لتخصصات التمريض والصيدلة والتخصصات الصحية المساندة الأخرى ، فقد جمعت هذه الأرقام الفنيين الحاصلين على دبلوم والاخصائيين الحاصلين على بكالوريوس والاستشاريين الحاصلين على الدكتوراة.
  24. اللجنة الصحية بمجلس الشورى: وتختص هذه اللجنة بدراسة كل ماله علاقة بالشؤون الصحية. وبمراجعة جدول أعمال المجلس في دورته الحالية (الدورة السادسة – السنة الرابعة) ، يتضح أن معظم المواضيع التي طرحتها اللجنة في 48 جلسة في هذه الدورة انحصرت في مراجعة التقارير السنوية لوزارة الصحة ، هيئة الهلال الأحمر ، مستشفى الملك فيصل التخصصي ، مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون. ويقال أن هناك مقترحات تقدمت بها اللجنة الصحية بمجلس الشورى لتطوير الأداء بوزارة الصحة وبالمجلس الصحي السعودي ، ولكنها غير منشورة على الموقع الالكتروني لمجلس الشورى.
  25. المرضى والمجتمع: وبالرغم من أن المرضى والمجتمع هم أساس الرعاية الصحية ويجب أن يتم ذكرهم أول نقطة ، ولكن عوضا عن استهلاك شعار “المريض أولا” كأساليب دعائية ، من الأفضل أن نقوم بواجبنا كممارسين صحيين وكجهات تنفيذية ذكرت أعلاه ، ومن ثمّ سيتحقق الهدف الأسمى بتقديم رعاية صحية متميزة. كتبت عدة مقالات عن حالة الاحتقان بين المجتمع والممارسين الصحيين وأسبابها وبعض الحلول العملية. ومازلنا بانتظار مركز سلامة المرضى التي أعلنت وزارة الصحة عن إنشائه في عهد معالي د. عبدالله الربيعة عام 2013م. ثم أعلن عن ذلك أيضا معالي الأستاذ أحمد الخطيب في 2015م. ثم صرح معالي المهندس خالد الفالح في 2016م عن إنشاء نفس المركز.

 

تحليل وضع التعليم الصحي

سأتناول في هذا الجزء نقاط القوة ومواطن التحسين في منظومة تعليم المهن الصحية في السعودية ولن أتطرق إلى آلية تقديم الخدمة وجودتها فسأفرد لها مقالة قادمة.

 

أولا: رؤية المملكة 2030 

أُعلنت قبل بضعة أشهر رؤية المملكة 2030 ، وهي أهم نقاط القوة التي ستحقق تطورا كبيرا في القطاع الصحي. ومما سيضمن النجاح بإذن الله وضع إطار حوكمة لتحقيق”رؤية المملكة 2030″ بإشراف مباشر من اللجنة الاستشارية بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية التي تعنى بصياغة الاستراتيجيات المحققة للرؤية وتلغي الأدوار المتكررة وتوحد الجهود بين الجهات التنفيذية. كما تم وضع آلية للتصعيد وحل المشكلات التي قد تواجه البرامج الاستراتيجية. وقد تميزت الرؤية باعتمادها على مفهوم إدارة المشاريع الاحترافية ومراجعة الأنظمة والتوسع لمشاركة القطاع الخاص والقطاع الثالث (غير الربحي). وإيمانا بأهمية “رأس المال البشري” أُفرد له برنامجا خاصا موازيا لبرنامج التحول الوطني 2020 الذي أُعلن عنه قبل أسابيع.

Saudi Vision 2030 Overview

وحظيت صحة المواطن باهتمام بالغ ، وأصبح الهدف واضحاً: 1. الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية وجودتها ، لنصل إلى 2. زيادة متوسط العمر المتوقع من 74 عاما إلى 80 عاما.

Saudi Vision 2030 Health

 

ثانيا: المجلس الصحي السعودي

بالرغم من نشأة مجلس الخدمات الصحية في 1423هـ ومن ثمّ تحويل مسماه إلى المجلس الصحي السعودي ومنحه المزيد من الصلاحيات في 1435 هـ ، إلا أنّ أداءه مازال دون المأمول، من وجهة نظري الشخصية ، واستناداً على نسبة إنجاز القرارات التي أقرها المجلس. بمراجعة صلاحيات المجلس وتخصصاته ، نلحظ أهمية الدور الذي من المفترض أن يقوم به المجلس الصحي السعودي. والمتابع لبرامج الإستراتيجية الصحية في المجلس ، لايجد برنامجا يعنى بتخطيط احتياجات الممارسين الصحين ، باستثناء برنامج تطوير ممارسة الأخصائيين النفسيين والعلاج النفسي غير الدوائي. وقد تكون هناك أسباب عديدة ولكن أهمها تضارب وتعارض في مهام معالي وزير الصحة الذي يرأس المجلس كجهة استراتيجية مشرّعة ومنسّقة ومقيّمة من جهة ، وفي الوقت نفسه يرأس وزارة الصحة كجهة مقدمة للخدمة عبر مستشفياتها وكذلك كجهة مشرّعة للقطاع الخاص. وهذا التضارب في المهام شبيه بوجود “الهيئة الوطنية للتقويم والاعتماد الأكاديمي NCAAA” تحت لواء وزارة التعليم العالي قبل فصلها وضمها إلى جهة مستقلة المرجعية “هيئة تقويم التعليم” والتي يرتبط رئيسها  مباشرة برئيس مجلس الوزراء.

وقد زادت صلاحيات المجلس الصحي السعودي حديثا بضم “المركز السعودي لاعتماد المنشآت الصحية (سباهي)” له في 1436 هـ ، حيث يرجع مدير عام المركز إلى رئيس المجلس الصحي السعودي معالي وزير الصحة.

 

ثالثا: وزارة الصحة وبرنامج التحول 2020

يبلغ عدد منسوبي وزارة الصحة حوالي ربع مليون موظف. وتنبهت وزارة الصحة لأهمية تطوير رأس المال البشري مؤخرا ، ورقّت الوكالة المساعدة إلى وكالة مستقلة لتخطيط وتطوير رأس المال البشري ترتبط مباشرة بمعالي الوزير في ربيع الثاني 1436هـ. وترتبط بها ست إدارات رئيسة وهي الإدارة العامة لشؤون الموظفين والإدارة العامة للتدريب والابتعاث والإدارة العامة للتعاقد والإدارة العامة لتخطيط القوى العاملة والإدارة العامة للتطوير الإداري والإدارة العامة للتشغيل الذاتي. وفي شوال 1436 هـ ، تم إعادة تشكيل الهيكل الوظيفي مرة أخرى ، وتسميتها “وكالة وزارة الصحة للموارد البشرية” ويرتبط بها وكلاء مساعدين لخدمات الموارد البشرية وللتوظيف ولتنمية وتطوير الكفاءات. وأنشئت وكالة أخرى للتطوير والتحول.

باستثناء المدن الطبية والمستشفيات التخصصية التابعة لوزارة الصحة والتي تتمتع باستقلالية في تخطيط وتطوير مواردها البشرية نظرا لارتباطها بمجلس المدن الطبية مباشرة برئاسة معالي الوزير ، تغلب المركزية على جميع نشاطات تخطيط وتطوير الكوادر البشرية بمستشفيات وزارة الصحة حول المملكة.

ومما يضر عملية التطوير المهني للأطباء في مستشفيات وزارة الصحة اعتمادها على أطباء دائمين لتقديم الخدمة ومساعدة الاستشاريين (مايسمى Service Residents) بدلا من الاعتماد الكلي على أطباء برامج الزمالة (كما هو الوضع في أمريكا وكندا ، التي اعتمدنا على أنظمتها في وضع برامج الزمالة). وكذلك وجود أكثر من رتبة وظيفية بين الطبيب المتدرب والاستشاري مما يحد من التواصل المباشر بين طبيب الزمالة والطبيب الاستشاري (وهذا أيضا على عكس النظام المتبع في أمريكا وكندا). فنلحظ أننا استنسخنا أجزاء من أنظمة الدراسات العليا الإكلينيكية (البورد) الأمريكية والكندية بدون تعديلات على أنظمة الرعاية الصحية ومنظومتها عندنا فيما يتعلق بالتدريب.

وبمراجعة ال 15 هدفاً استراتيجياً لبرنامج تحول وزارة الصحة ، نلحط أن ثلاثة منها متعلقة بصورة مباشرة بالممارسين الصحيين “الهدف الرابع: التوسع في التدريب محليا ودوليا ، الهدف الخامس: زيادة جاذبية العمل في التمريض والفئات الطبية المساعدة كخيار مهني مفضل ، الهدف الخامس عشر: تطوير ثقافة الجودة وسلامة المرضى ومهارات مقدمي الخدمة”. ومن ضمن 18 مبادرة استراتيجية لوزارة الصحة هناك ثلاث مبادرات متعلقة بشكل مباشر وتسع مبادرات بشكل غير مباشر بتطوير رأس المال البشري. وفيما يخص الممارسين الصحيين ، يأتي في مقدمتها الاهتمام بالتمريض والمهن الصحية المساندة وزيادة مقاعد التدريب للأطباء والتركيز على تطوير ثقافة الجودة وسلامة المرضى ومهارات مقدمي الخدمة. كما سيهتم برنامج التحول بتطوير الرعاية الصحية الأولية (والتي تعاني المملكة من نقص شديد لأطباء الأسرة بها) وكذلك الطوارئ والعناية المركزة.

MOH NTP 2020

والجدير بالذكر أن هناك توجه لتفرغ الوزارة لمهام تخطيط وتشريع وتنسيق ومتابعة جودة الخدمات الصحية ، وترك مهام تقديم الخدمة لجهة مستقلة. وإن حصل هذا ، فإن الوزارة ستقوم بجميع مهام المجلس الصحي السعودي التي كان من المفترض أن يقوم بها. وسيقع على عاتقها رسم خارطة طريق وطنية للمهن الصحية.

 

رابعا: التعليم (الجامعات والكليات)

إن الزيادة السريعة لعدد كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة خلال العقدين الماضيين هي زيادة مخيفة ، مالم تكن هناك مراقبة حازمة لجودة التعليم والمخرجات ، ودراسة وافية لاحتياجات سوق العمل وقدرة برامج الدراسات العليا الاكلينيكية على استيعاب المتخرجين. فعلى سبيل المثال عدد سكان المملكة مقارب لعدد سكان كندا ، فبينما لدينا 28 كلية صيدلة ، كندا لديها 10 كليات صيدلة. أما كليات الطب فيبلغ عددها في كندا 17 كلية ، في حين لدينا 30 كلية طب (منها 4 كليات لديها مستشفيات جامعية). وقد كتبت سابقا عن خصوصية كليات الطب وكذلك موضوع المستشفيات الجامعية. ولا أعلم ماهي المعايير التي تم الاستناد عليها عند إقرار فتح هذه الكليات. بل لا أعلم إن كانت هناك معايير وطنية لأعداد الطلاب المقبولين بكل كلية صحية. ولا أعلم كذلك إن كانت هناك خطة استراتيجية لوزارة التعليم العالي سابقا للتعليم الصحي، باستثناء خطة “آفاق” التي تطرقت للتعليم العالي بشمولية بدون التفصيل في التخصصات. وللأسف فإن نسبة الزيادة في عدد الكليات الصحية وعدد خريجيها لم يقابله تخطيط لزيادة مناسبة لعدد مقاعد برامج التخصص والزمالات التي تشرف عليها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية.

وقد دققنا مع مجموعة من المتخصصين في التعليم الطبي ناقوس الخطر بورقة علمية قبل 8 سنوات بهذا الشأن.

 

في ربيع الثاني من عام 1436 هـ تم دمج وزارة التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم في وزارة واحدة بمسمى”وزارة التعليم”. ولاشك أن هذا القرار يضمن توحيد رؤى التعليم وضمان تقوية البنية التحتية للتعليم على مراحله. وفي الوقت نفسه تم إلغاء “مجلس التعليم العالي” لمزيد من المرونة واللامركزية في عمل الجامعات فقد كانت أشبه بإدارات تابعة لوزارة التعليم العالي. وهناك عدة تكهنات حول الآلية المرتقبة لحوكمة الجامعات. وحسب تصريحات معالي وزير التعليم فإن نظام الجامعات الجديد سيعطي مزيدا من الاستقلالية للجامعات. وبالرغم من إيجابية هذا التوجه ، إلا أنه يضع أهمية قصوى لرسم خارطة طريق وطنية لاحتياجات القوى العاملة الصحية وموائمتها لسوق العمل بمشاركة جميع المعنيين حتى تتنافس الجامعات على تحقيقها بطريقة تكاملية. وأهم من ذلك وضع معايير واضحة لجودة الكليات الصحية وأن تقوم جهة محايدة بتقييم جودة الإجراءات التعليمية وجودة المخرجات وفق إطار وطني للكفاءات الصحية بتخصصاتها المختلفة.

أما برنامج تحول وزارة التعليم 2020 ، فيتضح تركيز الوزارة على التعليم العام فقد اهتمت  الأهداف الاستراتيجية الثمانية لبرنامج التحول لوزارة التعليم على التعليم العام بشكل كبير ، وخلت أهدافها مايخص التعليم العالي باستثناء الهدف السادس “تعزيز قدرة نظام التعليم لتلبية متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل”. وتحفظت وزارة التعليم ، في الوثيقة الرسمية المعلنة ، على مؤشر الأداء الوحيد لهذا الهدف قائلةً ” تتحفظ الوزارة على هذا المؤشر حيث يشترك فيه أكثر من جهة غير وزارة التعليم ويعتمد بشكل كبير على الوضع االاقتصادي للدولة كما يصعب وضع خط أساس له أو مستهدفات لعام 2020م، وعليه نقترح استبداله بـ (نسبة الطلبة الخريجين في التخصصات التابعة للقطاعات المستهدفة)، ويتم احتساب خط الأساس بناء على احتياج القطاعات المستهدفة بعد بدء المبادرة، ويزيد المستهدف بنسبة %10 من خط الأساس”. وفي هذا التحفظ الصريح إخلاء مسؤوليتها عن احتياجات القطاع الصحي.

ومن 36 مبادرة لوزارة التعليم ورد ذكرها في وثيقة البرنامج الوطني للتحول ، ست مبادرات لها علاقة مباشرة بموضوع هذه المقالة وهي:”مركز تطوير تقنيات نظم المعلومات الصحية ، تطبيق النموذج التشغيلي المقترح لوزارة التعليم وإعادة توزيع الأدوار بين الوزارة والجامعات وإدارات التعليم ، تطوير برنامج االبتعاث الخارجي وتحسين كفاءته التشغيل ، توفير ورش فنية بالمدارس لتدريب الطالب على المهن وتعزيز الإتجاهات الإيجابية نحو المهن ، منظومة الخدمات الإكترونية الجامعية (جامعة) ، وضع اطار عملي لضمان الموائمة بين مخرجات التخصصات الجامعية واحتياجات سوق العمل”. والغريب أن المبادرة الوحيدة التي ذكرت فيها الصحة ضمن مبادرات وزارة التعليم ، هي مبادرة تشغيلية تعنى بأنظمة المعلومات الصحية ، وهو مجال تشغيلي بحت ، عوضا أن هناك مبادرة مشابهة في وزارة الصحة. وفي حين أن مبادرات وزارة التعليم شملت إنشاء مركز تطوير تعليم اللغة الإنجليزية ، ومركز تطوير تعليم اللغة العربية ، ومركز تطوير تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات (STEM) ، لم يحظ “التعليم الطبي أو تعليم المهن الصحية” بمركز لتطويره. علامة استفهام أتقدم بها لمن أشرف على وضع مبادرات وزارة التعليم.

 

خامسا: الهيئة السعودية للتخصصات الصحية

صدر الأمر السامي الكريم  بالموافقة على نظام الهيئة السعودية للتخصصات الصحية عام 1413هـ ، وأصبحت الهيئة اليوم من الصروح الحكومية المهنية التي نفخر بها عالميا ، فقد أضحت برامج شهادة التخصص السعودية (البورد السعودي) تضاهي مثيلاتها العالمية ، وأصبح بإمكان خريجي هذه البرامج إكمال التخصص الدقيق في برامج عالمية. إن هذه المكانة التي تبوءتها خلال عشرين عاما ، مقارنة بالعديد من الدول العربية أو الآسيوية التي سبقتنا في مجال الصحة ، جعلتها مصدر ثقة للإشراف على برامج تدريبية في بعض دول الخليج ، فتعدى تأثيرها المحلية إلى الإقليمية.

وبالرغم من هذه النقاط الإيجابية ، إلا أن هناك العديد من مواطن التحسين التي ستمكن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية والمملكة بإذن الله من الريادة العالمية في التعليم الطبي ، عطفا على عدد الحاصلين على شهادات ماجستير ودكتوراة في التعليم الطبي مؤخرا. إن التحدي الأكبر الذي يواجه الهيئة هو قيامها بعدة مهام بها تضارب للمصالح ، وعادة مايقوم بهذه المهام في العديد من الدول أكثر من 3 جهات. وإذا أردنا مزيدا من التميز والإبداع للهيئة ، فلنفكر جديا في توزيع بعض مهامها إلى قطاعات أخرى. والمهام هي:

  • تصنيف وتسجيل الممارسين الصحيين: وهي إجراءات تعنى بالتأكد من صحة الشهادات وتقييم الخبرات عن طريق لجان أو امتحانات في التخصص لأهداف التصنيف وإعطاء الممارس الدرجة المهنية المناسبة لشهادته وخبرته عن طريق معايير وجداول تصنيف واضحة مثل: استشاري ، أخصائي ، نائب ، فني ، وغيرها. وهناك نقطة مهمة جدا ، أن أغلب هذه الامتحانات لاتزيد أسئلتها عن 100 سؤال ، وهذا يعتبر عدد قليل جدا لايصل للموثوقية reliability المتوقعة في مثل هذه الامتحانات. وحتى وقت قريب ، من يعمل في قسم الامتحانات ليس لديه شهادات متخصصة في القياس والتقويم. وهناك رسوم مالية يدفعها الممارس الصحي لتصنيفه وتسجيله ، وكذلك رسوم في حالة خضوعه لاختبار ، مما يمكن هذه المهام من الإستقلالية المالية.
  • إعادة تسجيل الممارسين الصحيين: يجب على الممارس الصحي إعادة التسجيل في الهيئة السعودية كل 3-5 سنوات ، ويشترط لإعادة التسجيل إتمام حضورعدد معين من ساعات التطوير المهني المستمر. وهذه نقطة إيجابية لضمان التطوير المستمر إلا أن هناك توجه في عدد من الدول بإعادة امتحانات التخصص كل 10 سنوات (إضافة إلى ساعات التطوير المهني المستمر) ، وبعضها يعتمد على تقييم ميداني من قبل المرضى والممارسين الصحيين.
  • برامج التدريب للحصول على شهادة الاختصاص (البورد السعودي): هذه البرامج تقام في المستشفيات الحكومية والخاصة ، ولكن الهيئة تقوم ب: 1. تقييم جاهزية المراكز التدريبية ، 2. اعتمادها كمراكز تدريب معتمدة ، 3. الإشراف على برامج التدريب عن طريق لجان محلية مرتبطة بمجلس علمي لكل تخصص ، 4. الإشراف على الامتحانات التي تقام لمتدربي هذه البرامج ، 5. إصدار شهادات الاختصاص (البورد السعودي) ، 6. التصنيف تلقائي بعد مرور مدة زمنية محددة. إن كل مهمة من هذه المهام تتعارض في المصالح مع بعضها البعض. والجدير بالذكر أنه بالرغم من التميز الإقليمي للهيئة الذي ذكرته سابقا ، إلا أنه لم يكن هناك متخصصين في التعليم الطبي كموظفين دائمين في الهيئة حتى عام 2012 عندما افتتح قسم للدراسات العليا والتعليم الطبي. وهناك رسوم سنوية للملتحقين ببرامج التدريب ، إضافة إلى رسوم للامتحانات ورسوم لوثيقة التخرج ، مما يمكن هذه المهام من الاستقلالية المالية.
  • اعتماد مراكز وبرامج التعليم المستمر: تقوم الهيئة باعتماد المراكز المخولة بإقامة برامج التعليم المستمر ، كما تقوم كذلك باعتماد كل برنامج تعليم مستمر يقام في المملكة وفق رسوم مالية. حيث يتم إرسال تفاصيل البرنامج قبل موعده بعدة أسابيع ، وإطلاع الجهة المخولة بذلك ومن ثمّ الموافقة ومنحه ساعات تعليم طبي مستمر أو الرفض. وماعدا تحصيل رسوم اعتماد الساعات واتخاذ قرار الموافقة أو الرفض ، لاتقوم الهيئة بأي دور استراتيجي للتخطيط لبرامج التعليم المستمر أو الكفاءات البينية المشتركة للممارسين الصحيين.
  • الجمعيات العلمية الصحية: يزيد عدد الجمعيات الصحية في المملكة على 100 جميعة صحية ، 40 منها في الهيئة السعودية للتخصصات الصحية. والجدير بالذكر أن جميع هذه الجمعيات تخص الأطباء أو أطباء الأسنان بشكل عام ، ماعدا جمعية واحدة للتمريض (الجمعية السعودية للتمريض) بجامعة الملك عبدالعزيز (علما بأن التمريض يمثل 54% من الممارسين الصحيين المسجلين في الهيئة).  ولاتقدم الهيئة للجمعيات أي خدمات ماعدا سلفة “مستردة” قدرها 50 ألف ريال. وفي المقابل فإن الجمعيات التي تتبع لجامعة الملك سعود على سبيل المثال تتمتع بالعديد من الخدمات التي تقدمها إدارة الجمعيات العلمية بالجامعة. وبالرغم من إيجابية مرجعية الجمعيات الصحية للهيئة السعودية للتخصصات الصحية ، إلا أن غياب الدعم والتخطيط من قبل الهيئة أثر كثيرا على قدرات هذه الجمعيات لتطوير تخصصاتها.
  • نظام الحوكمة: يرأس مجلس أمناء الهيئة معالي وزير الصحة ، وفي هذا تعارض آخر مع وظائفه الأخرى كمسؤول عن تقديم الخدمات الصحية عن طريق مستشفيات وزارة الصحة. وحيث أن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية هي هيئة مهنية للممارسين الصحيين ، فقد نص نظام الهيئة في مادته الرابعة “3. يشترط في عضو مجلس الأمناء أن يكون متخصصا في أحد فروع المهن الصحية”. ولا أعلم إن كان هذا الشرط يسري على رئيس المجلس أم فقط الأعضاء؟

 

سادسا: مبادرات الجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة

هذه بعض المبادرات الاستراتيجية التي ورد ذكرها في برنامج التحول الوطني 2020 ولها علاقة (مباشرة أو غير مباشرة) بموضوع المقالة ،  ومن الضروري أخذها بعين الاعتبار عند رسم خارطة الطريق الوطنية للمهن الصحية.

  • وزارة الشؤون الاجتماعية (قبل دمجها مع وزارة العمل): تأسيس مؤسستين غير ربحيتين في مجال الصحة والتعليم ، تحفيز القطاع الثالث وتوجيه انفاقه للمشاركة ، تطوير األنظمة والتشريعات الخاصة بالقطاع الثالث ، تسهيل إنشاء جمعيات محلية أهلية صغيرة لتمكين المشاركة المجتمعية (Mini-NGO) ،
  • وزارة العمل: الإطار الوطني للمؤهلات ، البرامج التدريبية المرنة ، البرامج التدريبية المسائية ، التأهيل المهني لطالب التعليم العام ، ناء القدرات بالوحدات التدريبية ، تشجيع العمل بالدوام الجزئي ، تطوير التثقيف و الإرشاد المهني ، تطوير منصة دروب للتعليم الالكتروني
  • مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية: برنامج تحفيز الجيل الناشئ للانخراط في مجالات العلوم والتقنية ، برنامج دعم البحث والتطوير للجامعات والمؤسسات البحثية لتطوير المحتوى المحلي ، برنامج توطين ونقل تقنية الصحة ، منصة البيانات الضخمة Big Data للتخطيط الاستراتيجي ، نظام وطني لإدارة الموارد المؤسسية ERP
  • الهيئة العامة للاستثمار: إنشاء و تنفيذ خطة لتوطين الخدمات والصناعة في قطاع الصحة
  • معهد الإدارة العامة: البرنامج الوطني للتدريب عن بعد
  • وزارة الحج: مبادرة تطوير الخدمات الصحية للحجاج والمعتمرين
  • الرئاسة العامة لرعاية الشباب (قبل تحويل مسماها إلى الهيئة العامة للشباب): مبادرة دعم القطاع العام والخاص لتطوير برامج الصحة والرفاهية

ونظرا للتداخل بين هذه المبادرات والمجال الصحي ، اقترح أن تصبح البرامج والمشاريع ذات العلاقة بالرعاية الصحية والممارسين الصحيين ضمن محفظة واحدة ، تسمى محفظة الرعاية الصحية Healthcare Portfolio (بمفهوم إدارة المشاريع الاحترافية). الجدول التالي يوضح جميع المبادرات ذات العلاقة.

 

مبادرات برنامج التحول الوطني 2020 ذات العلاقة بتعليم الممارسين الصحيين

 

وختاما ، فإن نقاط قوتنا بكوادرنا الصحية وإمكانياتنا البشرية وفرصنا المستقبلية بمبادرات برنامج التحول الوطني تفوق مئات المرات نقاط الضعف والتحديات (والتي في أغلبها تنظيمية تنسيقية بين الجهات).

الدولة لم تبخل بالمليارات فأنشأت الكليات والجامعات والمستشفيات وابتعثت مئات الأولوف من الطلاب في جميع التخصصات. الدور علينا الآن أن نبادر بآرائنا ومقترحاتنا ، بغض النظر عن تخصصاتنا ومنشآتنا ومناصبنا ، لنوضح تطلعاتنا وآمالنا نحو منظومة وطنية رائدة لتطوير الممارسين الصحيين ، فهذا ماتدعونا إليه “رؤية المملكة 2030”.

تواصل

لذلك أدعو زملائي الممارسين الصحيين بإضافة تعليقاتهم على هذه المقالة، فأنا متأكد بأن هناك العديد من النقاط التي لم أتمكن من حصرها من جميع جوانبها ، كما أن هناك العديد من الحقائق والمعلومات التي لم أتمكن من الوصول إليها لعدة أسباب.

وسأتطرق في المقالة القادمة بإذن الله لبعض الأفكار والمقترحات التي قد تساهم بجزء يسير في رسم خارطة طريق وطنية لتعليم وتطوير الممارسين الصحيين.

Advertisements
 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , ,

Do we need Arabic MOOCs?

As an academician and educator, I have been on one side of the educational equation most of the time. For the past few years, I have been teaching heavily at the university and at national and international orthopaedic events. On the other hand, I would attend a day or two of a special course, a workshop or a conference in orthopaedic surgery or spine surgery to learn the recent advances in my specialty every few months. Most of the time, the knowledge gap is not big. It is a matter of tweaking and updating some knowledge base and new procedures skills.

A couple of weeks ago, I enrolled in the Stanford University “Mobile Health Without Borders” Massive Open Online Course (MOOC). Although I have enrolled in multiple online courses, this massive course was an exceptional educational experience for me for multiple reasons.

  • It covers an area that I have no previous experience in as a spine surgeon. This translated into a motivational drive for me to learn more.
  • The widespread geographical distribution of participants. I bet that there was a participant from almost every country in the world, which added richness to the discussion.
  • The diversity of participants’ background. There were high school students, medical students, healthcare professionals, engineers, IT specialists, entrepreneurs, and others. Although we have few weeks more to go, the different perspectives of discussion so far have been phenomenal.
  • The entrepreneurial culture of the participants. This basically translates into how we can make a financial gain from every possible idea.
  • The high potential for these courses to develop communities of practice with like-minded people.
  • The fact it is a free course definitely helped in the recruitment of such a diverse pool of participants.

I have always thought about the business model of such free & freemium MOOCs & how they cover their costs. I have always thought why would Harvard, MIT, Stanford and a whole list of Ivy League universities provide such courses for free in edX, Coursera or NovoEd. Is it part of their corporate social responsibility or is it part of their marketing strategy?

I recalled what Prof. Sanjay Sarma, Director of Digital Learning at MIT told us during the Radical Innovation course in Dubai last week. The president of MIT recruited him for this position and asked him to “disrupt” the MIT using digital learning. We need more of educational visionary leaders like MIT’s president.

Regardless of their business models, what these courses are offering in improving the knowledge and prosperity of the global community is exceptional.

My questions are:

  • When will we see MOOCs directed to the Arabic world?
  • Where are all those “leading” universities in the Arab world? What are they doing in the MOOC “business”?
  • Where are all those rich Arab philanthropists? What have they contributed to sustain the MOOCs?
  • What will be the impact of these Arabic MOOCs in building a knowledge-based economy of the Arab countries?
  • When will the Arab youth divert a little bit of their attention from Facebook and Twitter to edX, Coursera and NovoEd or their future Arabic counterpart?

Until then, I will continue to enjoy the remaining few weeks of my MOOC and thank you Stanford!

 
 

الأبحاث: الإطار المهمل في درّاجة الرعاية الصحية

 

استكمالا لمقالة “دراجة الرعاية الصحية” ، سأتحدث في هذه المقالة عن مجال البحث في الرعاية الصحية ، ثم في مقالات تالية إن شاء الله عن التدريب ، ثم الرعاية الصحية ، نفس الترتيب الذي تتبعه مايو كلينيك واحدة من أرقى المستشفيات في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

بدأت رحلتي مع البحث العلمي عندما بدأت ماجستير في منهجية البحث الصحي عام 2004م في جامعة مكماستر بكندا خلال فترة الزمالة في جراحة العظام. ولم يكن ذلك التوجه مألوفا في تلك الفترة خاصة إذا كان الهدف من الابتعاث التخصص الاكلينيكي  ،  للحصول على شهادة في تخصص جراحي ، ولكن بتوفيق الله ثم دعم الدكتور محمد سندي رحمه الله رئيس قسم الجراحة بكليتي آنذاك والذي كان أكبر داعم لي للمضي في هذا التخصص ، فلا أزال أذكر كلامه ، “صحيح رايح تصير جراح ، لكن البلد محتاجة البحث العملي أكثر ، أتوكل على الله وما يهمك” ، ولازلت أدعو له دوما بالمغفرة والأجر لأشياء كثيرة قدمها لكلية الطب بجامعة أم القرى بالإضافة إلى هذا الموقف الداعم معي.

 

خلال تلك الفترة ، التحقت ببرنامج الماجستير في منهجية البحث الصحي ، برفقة أخي العزيز الدكتور خالد الفالح الأستاذ المشارك في طب الأطفال والرعاية الحرجة للخدج بجامعة الملك سعود بالرياض. وكنا دوما نتناقش بعد كل محاضرة أيمكننا أن نقوم بهذه الأبحاث عندما نعود؟ هل نحن في حلم؟ كيف لنا بالدعم المادي؟ كيف لنا بالبنية التحتية لدعم الأبحاث؟ كيف لنا بمساعدين أبحاث متميزين؟ وغيرها من الاستفسارات التي لا تنتهي. وفي تلك السنة نُشِر بحث علمي لأحد الباحثين يتحدث عن الانتاجية  البحثية في العالم العربي ، فوجدناها فرصة لندلو بدلونا رغم نعومة أظافرنا في البحث العلمي آنذاك ، وكتبنا ردا مختصرا نشر في المجلة الطبية السعودية عن الأسباب التي كنا نؤمن بأنها أسباب عدم تقدم البحث العلمي في المملكة ، ونشر الرد في عام 2005م

enhancing biomedical research in saudi arabia

 

بعد هذه المهايطة البسيطة ، كما اعتبرها البعض من زملاء البعثة آنذاك ، انتهينا من الماجستير ومضى كل منا في حال سبيله وتخصصه الاكلينيكي. بعدها بسنتين ، تلقيت بريدا الكترونيا ضمن “المجموعة العربية للطب المبني على البراهين” يسأل أعضاء المجموعة البريدية عن أسباب تأخر البحث الطبي في الشرق الأوسط كنوع من العصف الذهني. وجدتها فرصة أخرى للاستزادة وعرض أفكاري عن أسباب تأخر البحث الطبي في الشرق الأوسط في تلك المجموعة التي تضم بين أعضائها متخصصين في الرعاية الصحية في السعودية والعالم العربي من المهتمين بالطب المبني على البراهين ، كان ذلك في 2007م ، وقد أثارت العديد من النقاشات. وتعتبر المهايطة الثانية بعد مهايطة 2005م.

 

 وبعد عودتي من البعثة إلى السعودية ، سنحت لي فرصة ثالثة للمهايطة في عام 2011م حول أسباب تأخر البحث الطبي في السعودية باستخدام العصف الذهني بمشاركة الجميع Crowd-Sourcing Collaborative Brainstorming
باستخدام الخرائط الذهنية ومشاركة العديد من الزملاء في المجال الصحي.

 

وكانت المحصلة هذه الخريطة الذهنية المعقدة والتي تعكس تعقيد وضع الأبحاث وتأخره عندنا.

medical research in saudi arabia

 

وبالإضافة إلى هذه المهايطات ، شاركت في أكثر من مناسبة كمتحدث لتوضيح أهمية البحث الصحي ، إحداها كانت ورشة عمل أقيمت بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض برعاية الهيئة السعودية للتخصصات الصحية وتتحدث عن البحث في فترة برامج التدريب وشهادة التخصص السعودية والزمالة.

 

كما شاركت كمتحدث زائر في ملتقى أبحاث كلية الطب بجامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية بمدينة الملك فهد الطبية بالرياض لإلقاء الضوء على أهمية الأبحاث لطلاب الطب.

 

 

وبعد عدة محاولات للمهايطة (كما يحلو للبعض تسميتها) حول أسباب تأخر البحث الصحي ، سنحت لي الفرصة أخيرا لمحاولة تنفيذ ما كنت أحلم به في أحد المستشفيات الحكومية وكان ذلك في منتصف 2012م. وقبل الشروع في التطبيق ألقيت نظرة أخيرة على مختصر المهايطات السابقة ، ثم ألقيت نظرة على توجه الدولة نحو البحث العلمي بشكل عام والطبي بشكل خاص ، فوجدت أخبارا مشجعة وظروفا مهيئة للنجاح. عندها قسمت استراتيجية دعم البحث الصحي إلى ثلاث فئات: القيادة العليا ، القيادة الوسطى ، الممارسين الصحيين.

 

 

القيادة العليا

لايخفى على أي مراقب اهتمام خادم الحرمين الشريفين حفظه الله وحكومة المملكة العربية السعودية بالتعليم العالي والبحث العلمي بشكل عام والتوجه نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ، ويدل على ذلك افتتاح العديد من الجامعات ومراكز الأبحاث وأودية التقنية ، حيث أننا نعيش حاليا طفرة تعليمية وبحثية كبيرة. وقد فصلت وزارة الاقتصاد والتخطيط رؤية خادم الحرمين الشريفين حفظه الله فاستراتيجيتها واضحة بأن يكون اقتصاد الوطن مبني على المعرفة.

mep knowledge based economy

 

وأما مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ، وهي الجهة المسؤولة في المملكة عن دعم البحث العلمي ، ممثلة بالادارة العامة لمنح البحوث وبرنامج الخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار ، فلم يبخلا بالدعم المادي المجزي للأبحاث ودعمها في جميع المجالات والتي تشمل قطاع الطب وقطاع التقنية الحيوية فقد تم تمويل أكثر من 40% من ميزانية البرنامج في هذين القطاعين. بل قد قامت المدينة بوضع خطة استراتيجية مفصلة خاصة بالبحث الطبي وخطة أخرى للتقنية الحيوية.

kacst medical priorities

 

وأسهبت الخطة في تحليل نقاط القوة والصعوبات والفرص والتحديات التي تواجه البحث الصحي.

kacst swot analysis of health research

 

 وبالنظر إلى خطة وزارة الصحة الاستراتيجية يتضح جليا اهتمامها الكبير بالبحث الطبي حيث جعلته مرتبطا ارتباطا وثيقا بالرعاية الصحية والتدريب (تماما مثل مايو كلينيك).

moh goals

 

وأما الإدارة العامة للبحوث والدراسات بوزارة الصحة فقد قامت بالكثير من التغييرات خلال السنوات الماضية لدفع حركة الأبحاث الصحية في الوزارة مثل رسم الأولويات البحثية بمشاركة المعنيين وإقرار لائحة تنفيذية للبحث العلمي في المنشآت الصحية.

MOH Research Priorities Workshop

 

كل هذه المعطيات رائعة والصور والروابط تدل أن ولاة الأمر ومتخذي القرار في أعلى هرم مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ووزارة الصحة يريدون للوطن أن يكون دولة بحثية. إذا أين المشكلة؟

 

الممارسون الصحيون

صراحة كنت متخوفا من عدم قابلية الممارسين الصحيين لفكرة البحث الطبي ، لدرجة أنني بدأت أقرأ في نظريات ونماذج التغيير مثل نموذج “كوتر” واستخدمته كمنهجية في الوصول إلى الممارسين الصحيين وكذلك بعض الكتب في التسويق. وكانت المفاجأة سارة حيث أن الأغلبية إن لم يكن الجميع يتطلع لإجراء البحوث. من خلال احتكاك مباشر لمدة عام ونصف لبناء القدرات البحثية للممارسين الصحيين يتضح جليا شغف الأغلبية العظمى لتعلم منهجية البحث والمشاركة في ورش العمل البحثية المجانية والمشاركة في لجنة أخلاقيات البحوث الطبية ، بل وتواصلهم المستمر بالطرق الالكترونية للمحاولة لتقديم مقترحات بحثية ينافسون بها قرنائهم على مستوى الوطن. كما أن حرصهم على حضور “عيادات الأبحاث اليومية” والتي تساعدهم في كتابة مقترحاتهم البحثية هو دلالة على رغبتهم في البحث متى ماوجد الدعم الفني المناسب. وقد نجح بعضهم في الحصول على دعم من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لأول مرة. الجميع يعلم أن مهارة كتابة المقترحات البحثية هي مهارة مكتسبة بالتدريب المستمر ، ويتميز بها الأكاديميون نوعا ما نظرا لطبيعة عملهم والذي يعتبر البحث جزء لا يتجزأ منه.  لذلك عندما نرى هذا الشغف عند غير الأكاديميين ، فإن ذلك يعني الرغبة الصادقة في إجراء البحوث لأسباب تختلف من شخص لآخر.

 

 

اختلاف الأولويات

حسنا إذا كانت القيادة العليا تدعم البحث بدون تردد والممارسون الصحيون شغوفون بالبحث العلمي ، فمن تبقى؟

من أكبر التحديات التي تواجه تنفيذ أي استراتيجية هي عدم توافق الرؤية من أعلى الهرم حتى قاعدته مرورا بالقيادة الوسطى. وبالعودة إلى موضوع الأبحاث الطبية ، يتضح للمراقب تطابق رؤية ورغبة أعلى الهرم وقاعدته للمضي قدما في البحث الصحي ، أما وسط الهرم (وأعني بهم القيادات الوسطى من مديري المستشفيات والشؤون الصحية) فأغلبهم ليس لديه هذا التوجه والاهتمام بالبحث الصحي إلا من رحم ربك. حيث يتركز اهتمام مدراء المستفيات حول “كيف يمكنني تشغيل المستشفى بسلام وأمان بجودة عالية وبدون أي شكاوي من المرضى؟”. قد يكون جزء كبير من هذه المشكلة هو عدم فهم هذه القيادات الوسطى للمعنى الشامل للأبحاث الصحية ، ويقصرونها على المفهوم الأكثر شيوعا عالميا وهو التجارب الدوائية. وكما يتضح من الرسمة  التالية ، البحث الصحي أكثر شمولا من ذلك.

domains of health research

 

ورغم أن المقال لا يسمح بالتفصيل في أوجه البحث الصحي وأبعاده ، إلا أنها باختصار:

  • أبحاث العلوم الطبية الأساسية التطبيقية والتي قد تنتج تطويرا في مجال التشخيص والعلاج الطبي والجزيئي
  • أبحاث الفعالية الطبية والتي تعنى بمقارنة مختلف التشخيصات والعلاجات لأمراض معينة ومدى فعاليتها للمرضى وللوطن
  • أبحاث التعليم الطبي والتي تعنى بدراسة مختلف النظريات في التعليم الطبي وتأثير ذلك على جودة برامج الزمالة وبرامج التعليم الطبي المستمر
  • أبحاث الخدمات الصحية والتي تعنى بدراسة الأسباب والعوامل التي تؤثر على جودة الخدمات الصحية المقدمة وتحديد أسباب رضى المرضى والوصول للخدمة وتكلفتها
  • أبحاث ترجمة وتطبيق الأبحاث والتي تعنى بنشر المراجعات المنهجية والأدلة الارشادية السريرية التي تساعد في تقديم رعاية صحية مبنية على البراهين وتقلل من التفاوت في جودة الخدمات
  • وختاما أبحاث أكثر شمولية وتهتم بصحة السكان والمجتمع والوطن بشكل عام

 

 وقد يكون من المناسب وضع بعض الرسومات التي توضح مفاهيم بعض أنواع البحث الصحي

Translational Research

 

Health Services Research

 

 وختاما ، يوضح النموذج التالي والذي يحكم استراتيجية الصحة العامة الأمريكية أهمية البحث العلمي ووضعها وسط عجلة الرعاية الصحية.

public health wheel

 

 والأمر لم يقتصر على الصحة العامة ، فقد تبنت الكلية الأمريكية للجراحين نفس النموذج لبناء أنظمة وطنية رائدة لرعاية الحوادث

ACS Trauma System Model

 

 

الحل

وحتى تقلع درّاجة الرعاية الصحية الوطنية وتحلق عاليا في سماء العالمية ، ومن خبرة ميدانية بسيطة ، أرى توجيه التركيز على تجهيز القيادات الوسطى بنشر ثقافة البحث والتعليم الصحي بينهم وكيف يمكنهم تحقيق توجه الدولة لتطوير البحث الصحي. فمهما وفرت الدولة من أوجه الدعم المالي للأبحاث الصحية ، لن تنجح هذه الخطط مالم تكن هناك رؤية واضحة وقناعة ودعم من القيادات الوسطى من مدراء الشؤون الصحية ومدراء المستشفيات بأهمية البحث الصحي بجميع أوجهه وكيف سيساعد في تطوير الرعاية الصحية.

استراتيجية البحث الصحي

ولنا لقاء قادم بإذن الله حول القيادات الوسطى وعلاقتها بالتعليم الصحي ، تكملة لمفهوم درّاجة الرعاية الصحية.

والله من وراء القصد.

 

تجربتي مع ال “آسك” والمستفاد منها

 

رغم أن تجربتي الفعلية في موقع ال “آسك” لم يمر عليها أكثر من أسبوع إلا إنني استفدت نقاط كثيرة من حيث نوعية الأسئلة التي طرحت علي ، اختصرها في هذه الخاطرة السريعة:

كنت قد كتبت خاطرة قبل 6 سنوات عنوانها “لماذا نقوم بما نقوم به” باللغة الانجليزية متسائلا عن وجود آلية لتوجيه الطلاب للتخصصات الصحية المختلفة. أغلب الأسئلة التي تشرفت بالإجابة عليها خلال الأيام الماضية كانت تتعلق بالتخصص واختياره. الكثير منها لم أملك المعلومات الموثوقة التي تؤهلني للإجابة عليها مما أحزنني كثيرا لأنني لم أستطع مساعدة أبنائي الطلبة بشكل كامل.

سأعيد طرح بعض التساؤلات هنا ، لعل هناك من به همة يقوم بها ، ولعلها تثير بعض النقاش لحلول عملية تساعد في رسم مستقبل صحي أفضل للوطن

  • لاشك أن يوم المهنة الطبي فكرة رائعة ساعدت في تسليط الضوء على التخصصات الطبية. السؤال هل يكفي يوم لرسم المستقبل؟ هل هو موجه لطلاب السنوات الأخيرة؟ أليس من المنطقي أن يكون في آخر سنة من الثانوية العامة؟ أليس من الأفضل أن يكون أشمل لجميع التخصصات الصحية؟
  • ماذا فعلت الكليات الصحية (الطب ، طب الأسنان ، الصيدلة ، التمريض ، العلوم الطبية ، العلوم الصحية) للتعريف بتخصصاتها لطلاب الثانوية العامة؟ ماذا فعلت لطلابها؟ هل يوجد مكتب فعال للارشاد الأكاديمي المستقبلي والتخطيط له؟
  • ماهو دور الجمعيات الطبية المتخصصة في مجالات متعددة في استقطاب الطلاب وتعريفهم بتخصصاتها؟ ما دورها في نشر أرقام عن الممارسين في تخصص كل جمعية؟ مادورها في وضع تصور لاحتياج الوطن للمتخصصين في مجال تخصص كل جمعية؟
  • هل وجود “الجمعية الطبية السعودية” سيساعد في “لملمة” القطع المبعثرة بين الجمعيات المختلفة؟ لو وجدت هل كانت ستقوم بإنشاء وحدة لتوجيه الطلاب للتخصصات الطبية المستقبلية؟
  • ما هو دور الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في دعم اتخاذ القرار للممارسين الصحيين المستقبليين؟ هل قدمت احصائيات توضح الأعداد الحالية والحاجة المستقبلية لكل تخصص؟
  • ماهو دور مجلس الخدمات الصحية (الجهة العليا المسؤولة عن تقديم الخدمات الصحية في الوطن) في توجيه شباب وشابات الوطن تجاه التخصصات الصحية المختلفة؟ هل قدمت لهم ما يساعدهم لاتخاذ القرار؟
  • ماهو دور وزارة التعليم العالي ممثلا في الملحقيات الثقافية في هذا المجال؟ كم منها سار على خطى الملحقية الثقافية بالولايات المتحدة الأمريكية والجهد الذي تقوم به الدكتورة سمر السقاف؟
  • لاشك أن هناك مبادرات جميلة ورائعة مثل منظومة إضاءة ، وتجمع الأطباء في أمريكا وكندا ، وهي مبادرات يشكر من فكر بها وساهم في إنشائها ونشرها والمحافظة عليها. ولكن متى نرى دعما أكثر لها وجعل نشاطاتها أكثر انتشارا وأكثر مؤسسية؟

هذه تساؤلات لا أعرف إجاباتها ، ولكن ما أعرفه أن أبنائنا بحاجة لآلية ومعلومات موثوقة تساعدهم في اتخاذ القرار لاختيار تخصصاتهم الصحية بناءاً على ما يملكون من مهارات وبناءاً على حاجة الوطن.

 

 

دراجة الرعاية الصحية

  قابلت أحد المدراء التنفيذيين في مستشفى كليفلند كلينيك الشهيرة قبل عدة سنوات ، فسألته ماسبب شهرة المستشفى؟ قال: هل تعرف الدراجة ذات الثلاثة إطارات؟ ابتسمت وقلت له دراجة الأطفال؟ قال: لا، أقصد الدراجة ثلاثية الإطارات للكبار فهذا مبدأنا في كليفلند كلينيك ، الإطار الأمامي والأساسي الذي يحدد اتجاه الدراجة هو الرعاية الصحية المتقدمة (علاج وتثقيف المرضى) أما الإطاران الخلفيان فأحدهما إطار البحث الصحي والآخر إطار التعليم الصحي. قلت له وما علاقة الدراجة في الموضوع؟ أجاب إن اختلف حجم أحد الإطارات (أو مقدار الهواء فيها) اختل توازن الدراجة ، وحتى تنطلق الدراجة بسرعة فإن أكبر دعم لها هو الإطارات الخلفية.

tricycle

بداية لم أقتنع بكلامه فطفت أبحث مواقع المستشفيات الشهيرة في أمريكا ، فزرت موقع مايو كلينيك ووجدت نفس “الثلاثة دروع” المترابطة: البحث ، التعليم ، الرعاية الصحية بهذه الأولوية كما ذكرها موقعهم في شرح شعار مايو كيلينيك.

mayo clinic shields

وعند تصفحي موقعهم حينئذ وجدت كلمة “الأبحاث” و”التعليم” أكثر من كلمة “المرضى” أو الرعاية الصحية.

Mayo clinic website shot

  ثم عدت إلى موقع كليفلند كلينيك لأتأكد من كلام صاحبنا ، فوجدت كلام مشابه ولكن لم أجد الدراجة فيبدو أنهم خجلوا من نشرها علانية على موقعهم ، فشعارهم عبارة عن أربعة مربعات صغيرة (العيادة ، المستشفى ، البحث ، التعليم) بطريقة مترابطة.

Cleveland Clinic Logo

وكما يعرف خبراء التسويق والماركات التجارية فإن العلامة التجارية ليست مجرد شكل جمالي بل تحمل مضمونا ورؤية المنشأة ويدفع الموظفين يوميا للجد لتحقيق أهداف المنشأة كما يجعل المستفيدين يقيّمون بشكل دوري أداء المنشأة استنادا على شعارها ورؤيتها ورسالتها.

وتأملت عندها وضع مستشفياتنا ومقدمي الرعاية الصحية ، فوجدت أغلبهم يركز تركيزا كبيرا على الناحية العلاجية مع قليل من التدريب وشبه إهمال للناحية البحثية ، إلا من رحم ربك من المستشفيات. وعطفا على نموذج الدراجات فإن مستشفياتنا عبارة عن دراجة ذات الإطار الواحد والتي تستخدم عادة في عروض “المهرجين” والألعاب “البهلوانية” في السيرك.

   unicycle-hiUnicycle

في تلك الفترة (بداية 2013) تحمست لفكرة الدراجة كمفهوم لتطوير الرعاية الصحية ، ولكنني لم أقتنع بدراجة فقط ، وقلت لنجعلها دراجة طائرة تمثل الإبداع في الرعاية الصحية ، وتواصلت عندها مع رسامة متميزة ، وبعد عدة إيميلات من الرسوم البدائية من قبلي ، أخرجت هذه الفنانة رسمة رائعة تمثل فكرة مطورّة لدراجة كليفلند كلينيك.

Healthcare Flying Tricycle

وهناك الكثير من المفاهيم في هذه الرسمة أذكر بعضها هنا:

  •   القائد يحلم برؤية واضحة والبقية ينفذون ، ويتضح أن القائد في هذه الرسمة ليس لديه أي جهاز اتصال (مقارنة ببقية أعضاء الفريق) والسبب وضوح الهدف واتفاق الجميع قبل “إقلاع” الدراجة الطائرة
  • لدى القائد لوحة كومبيوتر يرى فيها جميع ما يقوم به أعضاء الفريق
  • قائد كل إطار (الرعاية الصحية ، البحث ، التدريب) لديه جهاز اتصال مع بقية زملائه لدعمهم ، كما أن لديه لوحة قيادة Dashboard في تخصص زملائه
  • مايميز هذه الدراجة الطائرة هو عمود “الابتكار والابداع” الذي يحمل المروحة ويجعل الدراجة تطير
  • ليس هناك حل آخر للدراجة للوصول إلى المستشفى المتطور غير “الإقلاع” لأن الشوراع مزدحمة والأرض متشققة

وللأسف رغم جمال الفكرة وتنفيذها ، إلا أن الدراجة لم تحلّق “لسوء الأحوال” الجوية و“انعدام الرؤية” ، وسوف أتطرق في مقالات أخرى ، إن سمح الوقت ، عن كل إطار من الإطارات الثلاثة.

 
 

تركت طفلي ولم يبلغ العامين

تركته لأني أحبه وأعشقه

تركته ليصبح رجلا مفخره

تركته لأني سأضره ولن أنفعه

تركته في أيدٍ أمينة ربته

تركته وازداد عشقي له مرتبه

تركته وهو يخطو خطوات مرتبه

تركته لأني أتعذب مع كل زحلقه

تركته لأني لم أقدر أن أحرسه

تركته فعين الله ترعاه وتحرسه

تركته فالكل أحبه ودلعه

تركته والبعض غار منه وأهمله

تركته ولن أركض بعيدا وأهمله

تركته وسأظل اتتبعه بمفخره

تركته ليصبح رجلا مفخره

 
 

“أرجع قوامن ياواد” ومستقبل التعليم العالي

 تشرفت بالتعرف على بعض المعيدين والمعيدات في المجال الطبي في جامعة الملك سعود وجامعة الملك عبدالعزيز “الجامعتين الأم والكبيرتين” في مملكتنا الحبيبة. ووجدت صفة مشتركة ملفتة للنظر تجمع بين الكثير منهم ولا أدري ان كان هذا توجها من أعلى هرم الجامعة أم أنه ثقافة جديدة في الجامعتين. يقوم العديد من هؤلاء المبتعثين بدراسة درجة الماجستير في أحد العلوم الطبية المساندة بالإضافة الى الزمالة الطبية في تخصصهم الدقيق الذي ابتعثوا من أجله. فرأيت مبتعثا في طب الأطفال وآخر في الجراحة يحصلان على الماجستير في الصحة العامة (والتي تشمل منهجية البحث والوبائيات واقتصاديات الصحة وتطبيقات المعلوماتية) ورأيت مبتعثا آخر يقوم بدراسة الماجستير في الجراحة التجريبية المعملية بالإضافة الى دراسته في برنامج الزمالة في الجراحة وآخر في برنامج الزمالة في الطب الباطني يدرس الماجستير في التعليم الطبي وآخر في زمالة أمراض النساء والولادة يدرس ماجستير الادارة الطبية.

بالطبع هذا ليس توجها حديثا في هاتين الجامعتين فأذكر عدد لا بأس به من الزملاء في جامعة الملك سعود وجامعة الملك عبدالعزيز عادوا من البعثة قبل سنوات وساهموا كمجموعة في الابقاء على هذا التوجه والفكر في تجهيز عضو هيئة التدريس والاستفادة من ابتعاثه خارجيا للحصول على درجة ماجستير “توسع من مداركه وتطور فكره” سواء في منهجية البحث الطبي أو المعلوماتية الطبية أو الادارة الطبية أو العلوم الأساسية لتؤكد أن الطبيب الأكاديمي مكانه ليس القطاع الخاص فقط. بل أن هذا التوجه طال عدد من المبتعثين الأطباء من منسوبي وزارة الصحة والحرس الوطني والقوات المسلحة ومبتعثي برنامج خادم الحرمين، لإضفاء عمقا عظيما للخدمات الصحية في هذه القطاعات.

في المقابل نرى بعض الجامعات يتبعون أسلوب “أرجع قوامن ياواد” ويأكدون على المبتعث بإكمال برنامج الزمالة الطبية الذي ابتعث من أجله والعودة “قوامن” للمشاركة في تحمل العبء التدريسي. وترى “بشكة” مجلس القسم والكلية تجمع بلا استثناء على رفض طلب معيد للحصول على درجة ماجستير في احد هذه المجالات المساندة بحجة أن “الصحة العامة أو الادارة أو المعلوماتية الصحية أو التعليم الطبي” ليست من ضمن تخصصاتهم التي “سُكّنوا” بها في أقسامهم ، وعادة ما يبارك مثل هذه القرارات مجموعة من متخذي القرار في ادارات الابتعاث وادارة الجامعة لا يعلمون من الطب الا أن الطبيب معطفا أبيضا وسماعة. وفي وجهة نظرهم أن حصول المبتعث على مثل هذه الدرجات العلمية المساندة للتخصص الرئيسي هو مخالفة أنظمة الدولة واهدار للمال العام.

ومن وجهة نظري الشخصية ، هناك العديد من الأسباب التي ساهمت في جعل الجامعتين الكبيرتين تتبعان هذا الفكر النير:

  • احتكاك هاتين الجامعتين بالعديد من الجامعات العالمية كمؤسسات يتم الاستفادة منها في أحدث توجهات المؤسسات الصحية ، في المقابل ترى بعض الجامعات تتعاقد مع شخص واحد أكل عليه الدهر وشرب ، يروح ويجي على الجامعة بدون أثر يذكر في توجهاتها الاستراتيجية.
  • وجود أطباء من هذه العينة المهجّنة والمعالجة وراثيا في مواقع اتخاذ القرار في مجالس أقسام ومجالس كليات هاتين الجامعتين ، وليس “بشكة” ممن يتشاركون في صفة واحدة أنهم بشكة وأغلبيتهم ليست من العينة المهجّنة ، ففاقد الشئ لا يعطيه.
  • وجود تمثيل وحضور طبي في صنع القرار في أعلى هرم الجامعتين مما يعطي فهما أشمل لما يحتاجه المجال الطبي أكثر من المعطف الأبيض والسماعة.
  • وجود مجلس استشاري عالمي في هاتين الجامعتين مكون من علماء وتنفيذيين عالميين في تخصصات متعددة تساهم في تطورها ، وليس مجلس استشاري مكون من عمداء الكليات!

وختاما “أرجع قوامن ياواد” والكبير كبير.

 
 
%d مدونون معجبون بهذه: