RSS

Category Archives: Research

الأبحاث: الإطار المهمل في درّاجة الرعاية الصحية

 

استكمالا لمقالة “دراجة الرعاية الصحية” ، سأتحدث في هذه المقالة عن مجال البحث في الرعاية الصحية ، ثم في مقالات تالية إن شاء الله عن التدريب ، ثم الرعاية الصحية ، نفس الترتيب الذي تتبعه مايو كلينيك واحدة من أرقى المستشفيات في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

بدأت رحلتي مع البحث العلمي عندما بدأت ماجستير في منهجية البحث الصحي عام 2004م في جامعة مكماستر بكندا خلال فترة الزمالة في جراحة العظام. ولم يكن ذلك التوجه مألوفا في تلك الفترة خاصة إذا كان الهدف من الابتعاث التخصص الاكلينيكي  ،  للحصول على شهادة في تخصص جراحي ، ولكن بتوفيق الله ثم دعم الدكتور محمد سندي رحمه الله رئيس قسم الجراحة بكليتي آنذاك والذي كان أكبر داعم لي للمضي في هذا التخصص ، فلا أزال أذكر كلامه ، “صحيح رايح تصير جراح ، لكن البلد محتاجة البحث العملي أكثر ، أتوكل على الله وما يهمك” ، ولازلت أدعو له دوما بالمغفرة والأجر لأشياء كثيرة قدمها لكلية الطب بجامعة أم القرى بالإضافة إلى هذا الموقف الداعم معي.

 

خلال تلك الفترة ، التحقت ببرنامج الماجستير في منهجية البحث الصحي ، برفقة أخي العزيز الدكتور خالد الفالح الأستاذ المشارك في طب الأطفال والرعاية الحرجة للخدج بجامعة الملك سعود بالرياض. وكنا دوما نتناقش بعد كل محاضرة أيمكننا أن نقوم بهذه الأبحاث عندما نعود؟ هل نحن في حلم؟ كيف لنا بالدعم المادي؟ كيف لنا بالبنية التحتية لدعم الأبحاث؟ كيف لنا بمساعدين أبحاث متميزين؟ وغيرها من الاستفسارات التي لا تنتهي. وفي تلك السنة نُشِر بحث علمي لأحد الباحثين يتحدث عن الانتاجية  البحثية في العالم العربي ، فوجدناها فرصة لندلو بدلونا رغم نعومة أظافرنا في البحث العلمي آنذاك ، وكتبنا ردا مختصرا نشر في المجلة الطبية السعودية عن الأسباب التي كنا نؤمن بأنها أسباب عدم تقدم البحث العلمي في المملكة ، ونشر الرد في عام 2005م

enhancing biomedical research in saudi arabia

 

بعد هذه المهايطة البسيطة ، كما اعتبرها البعض من زملاء البعثة آنذاك ، انتهينا من الماجستير ومضى كل منا في حال سبيله وتخصصه الاكلينيكي. بعدها بسنتين ، تلقيت بريدا الكترونيا ضمن “المجموعة العربية للطب المبني على البراهين” يسأل أعضاء المجموعة البريدية عن أسباب تأخر البحث الطبي في الشرق الأوسط كنوع من العصف الذهني. وجدتها فرصة أخرى للاستزادة وعرض أفكاري عن أسباب تأخر البحث الطبي في الشرق الأوسط في تلك المجموعة التي تضم بين أعضائها متخصصين في الرعاية الصحية في السعودية والعالم العربي من المهتمين بالطب المبني على البراهين ، كان ذلك في 2007م ، وقد أثارت العديد من النقاشات. وتعتبر المهايطة الثانية بعد مهايطة 2005م.

 

 وبعد عودتي من البعثة إلى السعودية ، سنحت لي فرصة ثالثة للمهايطة في عام 2011م حول أسباب تأخر البحث الطبي في السعودية باستخدام العصف الذهني بمشاركة الجميع Crowd-Sourcing Collaborative Brainstorming
باستخدام الخرائط الذهنية ومشاركة العديد من الزملاء في المجال الصحي.

 

وكانت المحصلة هذه الخريطة الذهنية المعقدة والتي تعكس تعقيد وضع الأبحاث وتأخره عندنا.

medical research in saudi arabia

 

وبالإضافة إلى هذه المهايطات ، شاركت في أكثر من مناسبة كمتحدث لتوضيح أهمية البحث الصحي ، إحداها كانت ورشة عمل أقيمت بمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض برعاية الهيئة السعودية للتخصصات الصحية وتتحدث عن البحث في فترة برامج التدريب وشهادة التخصص السعودية والزمالة.

 

كما شاركت كمتحدث زائر في ملتقى أبحاث كلية الطب بجامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية بمدينة الملك فهد الطبية بالرياض لإلقاء الضوء على أهمية الأبحاث لطلاب الطب.

 

 

وبعد عدة محاولات للمهايطة (كما يحلو للبعض تسميتها) حول أسباب تأخر البحث الصحي ، سنحت لي الفرصة أخيرا لمحاولة تنفيذ ما كنت أحلم به في أحد المستشفيات الحكومية وكان ذلك في منتصف 2012م. وقبل الشروع في التطبيق ألقيت نظرة أخيرة على مختصر المهايطات السابقة ، ثم ألقيت نظرة على توجه الدولة نحو البحث العلمي بشكل عام والطبي بشكل خاص ، فوجدت أخبارا مشجعة وظروفا مهيئة للنجاح. عندها قسمت استراتيجية دعم البحث الصحي إلى ثلاث فئات: القيادة العليا ، القيادة الوسطى ، الممارسين الصحيين.

 

 

القيادة العليا

لايخفى على أي مراقب اهتمام خادم الحرمين الشريفين حفظه الله وحكومة المملكة العربية السعودية بالتعليم العالي والبحث العلمي بشكل عام والتوجه نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ، ويدل على ذلك افتتاح العديد من الجامعات ومراكز الأبحاث وأودية التقنية ، حيث أننا نعيش حاليا طفرة تعليمية وبحثية كبيرة. وقد فصلت وزارة الاقتصاد والتخطيط رؤية خادم الحرمين الشريفين حفظه الله فاستراتيجيتها واضحة بأن يكون اقتصاد الوطن مبني على المعرفة.

mep knowledge based economy

 

وأما مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ، وهي الجهة المسؤولة في المملكة عن دعم البحث العلمي ، ممثلة بالادارة العامة لمنح البحوث وبرنامج الخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار ، فلم يبخلا بالدعم المادي المجزي للأبحاث ودعمها في جميع المجالات والتي تشمل قطاع الطب وقطاع التقنية الحيوية فقد تم تمويل أكثر من 40% من ميزانية البرنامج في هذين القطاعين. بل قد قامت المدينة بوضع خطة استراتيجية مفصلة خاصة بالبحث الطبي وخطة أخرى للتقنية الحيوية.

kacst medical priorities

 

وأسهبت الخطة في تحليل نقاط القوة والصعوبات والفرص والتحديات التي تواجه البحث الصحي.

kacst swot analysis of health research

 

 وبالنظر إلى خطة وزارة الصحة الاستراتيجية يتضح جليا اهتمامها الكبير بالبحث الطبي حيث جعلته مرتبطا ارتباطا وثيقا بالرعاية الصحية والتدريب (تماما مثل مايو كلينيك).

moh goals

 

وأما الإدارة العامة للبحوث والدراسات بوزارة الصحة فقد قامت بالكثير من التغييرات خلال السنوات الماضية لدفع حركة الأبحاث الصحية في الوزارة مثل رسم الأولويات البحثية بمشاركة المعنيين وإقرار لائحة تنفيذية للبحث العلمي في المنشآت الصحية.

MOH Research Priorities Workshop

 

كل هذه المعطيات رائعة والصور والروابط تدل أن ولاة الأمر ومتخذي القرار في أعلى هرم مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ووزارة الصحة يريدون للوطن أن يكون دولة بحثية. إذا أين المشكلة؟

 

الممارسون الصحيون

صراحة كنت متخوفا من عدم قابلية الممارسين الصحيين لفكرة البحث الطبي ، لدرجة أنني بدأت أقرأ في نظريات ونماذج التغيير مثل نموذج “كوتر” واستخدمته كمنهجية في الوصول إلى الممارسين الصحيين وكذلك بعض الكتب في التسويق. وكانت المفاجأة سارة حيث أن الأغلبية إن لم يكن الجميع يتطلع لإجراء البحوث. من خلال احتكاك مباشر لمدة عام ونصف لبناء القدرات البحثية للممارسين الصحيين يتضح جليا شغف الأغلبية العظمى لتعلم منهجية البحث والمشاركة في ورش العمل البحثية المجانية والمشاركة في لجنة أخلاقيات البحوث الطبية ، بل وتواصلهم المستمر بالطرق الالكترونية للمحاولة لتقديم مقترحات بحثية ينافسون بها قرنائهم على مستوى الوطن. كما أن حرصهم على حضور “عيادات الأبحاث اليومية” والتي تساعدهم في كتابة مقترحاتهم البحثية هو دلالة على رغبتهم في البحث متى ماوجد الدعم الفني المناسب. وقد نجح بعضهم في الحصول على دعم من مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لأول مرة. الجميع يعلم أن مهارة كتابة المقترحات البحثية هي مهارة مكتسبة بالتدريب المستمر ، ويتميز بها الأكاديميون نوعا ما نظرا لطبيعة عملهم والذي يعتبر البحث جزء لا يتجزأ منه.  لذلك عندما نرى هذا الشغف عند غير الأكاديميين ، فإن ذلك يعني الرغبة الصادقة في إجراء البحوث لأسباب تختلف من شخص لآخر.

 

 

اختلاف الأولويات

حسنا إذا كانت القيادة العليا تدعم البحث بدون تردد والممارسون الصحيون شغوفون بالبحث العلمي ، فمن تبقى؟

من أكبر التحديات التي تواجه تنفيذ أي استراتيجية هي عدم توافق الرؤية من أعلى الهرم حتى قاعدته مرورا بالقيادة الوسطى. وبالعودة إلى موضوع الأبحاث الطبية ، يتضح للمراقب تطابق رؤية ورغبة أعلى الهرم وقاعدته للمضي قدما في البحث الصحي ، أما وسط الهرم (وأعني بهم القيادات الوسطى من مديري المستشفيات والشؤون الصحية) فأغلبهم ليس لديه هذا التوجه والاهتمام بالبحث الصحي إلا من رحم ربك. حيث يتركز اهتمام مدراء المستفيات حول “كيف يمكنني تشغيل المستشفى بسلام وأمان بجودة عالية وبدون أي شكاوي من المرضى؟”. قد يكون جزء كبير من هذه المشكلة هو عدم فهم هذه القيادات الوسطى للمعنى الشامل للأبحاث الصحية ، ويقصرونها على المفهوم الأكثر شيوعا عالميا وهو التجارب الدوائية. وكما يتضح من الرسمة  التالية ، البحث الصحي أكثر شمولا من ذلك.

domains of health research

 

ورغم أن المقال لا يسمح بالتفصيل في أوجه البحث الصحي وأبعاده ، إلا أنها باختصار:

  • أبحاث العلوم الطبية الأساسية التطبيقية والتي قد تنتج تطويرا في مجال التشخيص والعلاج الطبي والجزيئي
  • أبحاث الفعالية الطبية والتي تعنى بمقارنة مختلف التشخيصات والعلاجات لأمراض معينة ومدى فعاليتها للمرضى وللوطن
  • أبحاث التعليم الطبي والتي تعنى بدراسة مختلف النظريات في التعليم الطبي وتأثير ذلك على جودة برامج الزمالة وبرامج التعليم الطبي المستمر
  • أبحاث الخدمات الصحية والتي تعنى بدراسة الأسباب والعوامل التي تؤثر على جودة الخدمات الصحية المقدمة وتحديد أسباب رضى المرضى والوصول للخدمة وتكلفتها
  • أبحاث ترجمة وتطبيق الأبحاث والتي تعنى بنشر المراجعات المنهجية والأدلة الارشادية السريرية التي تساعد في تقديم رعاية صحية مبنية على البراهين وتقلل من التفاوت في جودة الخدمات
  • وختاما أبحاث أكثر شمولية وتهتم بصحة السكان والمجتمع والوطن بشكل عام

 

 وقد يكون من المناسب وضع بعض الرسومات التي توضح مفاهيم بعض أنواع البحث الصحي

Translational Research

 

Health Services Research

 

 وختاما ، يوضح النموذج التالي والذي يحكم استراتيجية الصحة العامة الأمريكية أهمية البحث العلمي ووضعها وسط عجلة الرعاية الصحية.

public health wheel

 

 والأمر لم يقتصر على الصحة العامة ، فقد تبنت الكلية الأمريكية للجراحين نفس النموذج لبناء أنظمة وطنية رائدة لرعاية الحوادث

ACS Trauma System Model

 

 

الحل

وحتى تقلع درّاجة الرعاية الصحية الوطنية وتحلق عاليا في سماء العالمية ، ومن خبرة ميدانية بسيطة ، أرى توجيه التركيز على تجهيز القيادات الوسطى بنشر ثقافة البحث والتعليم الصحي بينهم وكيف يمكنهم تحقيق توجه الدولة لتطوير البحث الصحي. فمهما وفرت الدولة من أوجه الدعم المالي للأبحاث الصحية ، لن تنجح هذه الخطط مالم تكن هناك رؤية واضحة وقناعة ودعم من القيادات الوسطى من مدراء الشؤون الصحية ومدراء المستشفيات بأهمية البحث الصحي بجميع أوجهه وكيف سيساعد في تطوير الرعاية الصحية.

استراتيجية البحث الصحي

ولنا لقاء قادم بإذن الله حول القيادات الوسطى وعلاقتها بالتعليم الصحي ، تكملة لمفهوم درّاجة الرعاية الصحية.

والله من وراء القصد.

Advertisements
 
 
%d مدونون معجبون بهذه: