RSS

دعم المبدعين

نجحت الجامعات الغربية لأسباب عديدة لا يسع المجال لذكرها في مقالة بل تستوجب بحثا منهجيا للوقوف على أسباب هذا النجاح وعوامله حتى نستفيد منه في تطوير تعليمنا العالي. لكنني سأتطرق إلى ثلاثة عوامل رئيسية تجدها في كل جامعة ناجحة: توفير بيئة صحية للإبداع ، نشر ثقافة الإبداع ، ودعم المبدعين.

وعندما أتحدث عن المبدعين لا أقصد فقط المخترعين وريادي الأعمال ، ولكنني أقصد المفهوم الأشمل للإبداع ، الإبداع في التدريس والتقييم والبحث وخدمة المجتمع ، إبداع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين ، الإبداع في روح المبادرات الداخلية

Intrapreneurship

عندما نتطرق إلى تطوير تعليمنا العالي ، يدخل النقاش عادة في دوامة بداية التغيير ومن أين نبدأ؟ أنقوم ببناء بيئة داعمة للإبداع أولا؟ أم ننشر ثقافة الإبداع؟ أم ندعم المبدعين؟ أنبدأ بالتعليم العالي أم بالتعليم العام؟

عندما نتحدث عن بيئة الإبداع ، فلا نعني حصرا المباني والأجهزة والمعدات ، فالبيئة بمفهومها الأشمل هي مجموعة الظروف الطبيعية والاجتماعية والثقافية والانسانية والاقتصادية والصناعية التي يعيش فيها الفرد والجماعة ويتفاعلون معها. يتضح صعوبة انشاء بيئة إبداعية شاملة في قطاعات التعليم العالي بمعزل عن المجتمع الخارجي. البيئة تشمل الأنظمة واللوائح وأبواب الميزانيات.

أما الثقافة من البعد المؤسساتي فنعني بها مجموعة القيم والأهداف والتوجهات والرؤية التي تميز مؤسسة عن أخرى ، ولن تنتشر ثقافة الإبداع في مؤسسة تعليم عال إن كان هناك من يغرد خارج السرب ، ولن تتحقق الثقافة المؤسساتية للإبداع إلا إذا كان الإبداع ديدنها وعمودها الفقري من رأسها حتى أخمص قدميها. ولن يتحقق ذلك اعتباطا بل بخطة تسويقية يقوم عليها متخصصون في تسويق الأفكار والثقافات ومتخصصون إعلام في التواصل مع الجمهور. لن تتحقق الثقافة المؤسساتية للإبداع إلا إذا استشف منسوبو المؤسسة أن رأسها يشجع الإبداع ويدعمه. لن تتحقق الثقافة المؤسساتية للإبداع إلا إذا رأى الموظف الجديد أمامه قدوات في الإبداع كلا في مجاله الوظيفي.

فأما دعم المبدعين فهو مربط الفرس وأساس النجاح ، فمتى مازاد عدد المبدعين قاموا هم بخلق بيئة إبداعية ونشر ثقافة الإبداع لأنهم مبدعين ، وبدعمنا سيزدادون إبداعا. لا أحد يشكك أو يقلل من أهمية الدعم المادي ، ولكن الدعم المعنوي بتكريمهم والشد على أيديهم وإنزالهم منازلهم وتسهيل إجراءاتهم وتذليل مصاعبهم  ومن ثم الشد على أيديهم والتربيت على أكتافهم تقديرا لإبداعهم بغض النظر عن محصلة الإبداع وحجم الاختراع.

عندما ندعم المبدعين في الجامعات ونعمل على تأصيل ثقافة الإبداع في جامعاتنا بالقدوة والإعلام والتسويق عندها من الممكن أن تنتقل بيئة الإبداع من داخل أسوار الجامعة إلى خارجها ، فالجامعات لدينا هي جامعة لجميع أطياف المجتمع ، نتميز عن الغرب أن الفقير والغني يجلسان جنبا إلى جنب ، هذا ما أراده ولاة الأمر ، فلنحمد الله على نعمة مجانية التعليم العالي. عندما نخلق ثقافة الإبداع داخل الجامعة سيقوم هؤلاء المبدعون بخلق بيئاتهم الإبداعية داخل الجامعة وخارجها ، عندها سنصل إلى العالمية. عندما نخلق ثقافة الإبداع داخل الجامعة سيتخرج منها المدرسون الذين سيقودون دفة التعليم العام وسيبنون بيئات إبداعية في مدارس التعليم العام.

نعيش هذه الأيام عصورنا الذهبية في التعليم العالي من ناحية الدعم المادي والمعنوي من خادم الحرمين الشريفين ، ولكننا يجب أن نراجع لوائح تعليمنا العالي ونظامه الذي مضى عليه أكثر من عشرين عاما لنحقق رؤية خادم الحرمين حفظه الله لوضع دولتنا بين مصاف الدول العالمية علما وانتاجا.

فلندعم المبدعين ، ولنبدأ بجامعاتنا!

Advertisements
 

أيمن والخبل .. الخطوط الجوية والأخطاء الطبية

هبطت طائرة الخطوط السعودية الرحلة رقم ٥٠٠ المتجهة من جدة إلى الكويت قبل ساعات ومازال صوت أيمن (أحد مضيفي تلك الرحلة وأظنه كبير المضيفين عمرا ومنصبا) يدوي عاليا في أذني وهو يخاطب زميله في الجهة الأخرى من الممر بصوت عال مسموع لجميع الركاب: “ايش به هذا الخبل مستعجل؟” يقصد قائد الطائرة – الكابتن كاستللو – الذي بدأ في التحرك على المدرج ١٥ دقيقة قبل الإقلاع.

مازال صوت أيمن يدوي عاليا ومازلت أحمل في يدي كتاب عن “العوامل البشرية في الرعاية الصحية” وكنت قد انتهيت من أول فصول الكتاب التي تتحدث  عن تاريخ هذا العلم الذي يدرس في الهندسة الصناعية وكيف أن الرعاية الصحية والتعليم الطبي استفاد من تجربة الملاحة الجوية لتطبيقها مفاهيم العوامل البشرية منذ عقود.

IMG_0994

وددت أن أعرض الصفحة الأولى من الكتاب على “أيمن”  لأطلعه على ما تعلمناه (في مجال الرعاية الصحية) من الملاحة الجوية من مفاهيم رائعة في العوامل البشرية مثل القيادة وفريق العمل ، مهارات التواصل ، اتخاذ القرار ، التعامل مع الضغوط وغيرها من مفاهيم فريق العمل.

IMG_0995

 تراجعت عن الفكرة فقد أحرج “أيمن” ببعض المصطلحات عن مفاهيم فريق العمل الذي يرأسه “خبل” في تلك الرحلة من وجهة نظر أيمن والتي يبدو واضحا أنه بحاجة لمراجعة سريعة لتلك المفاهيم.

قد يكون من الأفضل لأيمن أن أطلعه على قصة قائد طائرة اسمه الكابتن مارتن بروملي توفيت زوجته نتيجة خطأ طبي فادح  خلال عملية جراحية “روتينية” ، وبدل أن يثير الكابتن (الخبل حسب مواصفات أيمن) زوبعة في صحافة التابلويد البريطانية (الشبيهة بصحافتنا) ، قام بانشاء مجموعة لتطبيق مفاهيم “العوامل البشرية” في المستشفيات ، امتد تأثيرها كل دول العالم .

تراجعت مرة أخرى ، إن سألني أيمن “وهل تقومون بتدريس مفاهيم فرق العمل في كلياتكم الطبية كما ينصح به هذا الكتاب؟” أو لو سألني “هل لديكم مراكز محاكاة لتدريب الأطباء كما نصح بها هذا الكتاب وغيره؟” فمن الخبالة أن اتفلسف على أيمن وباب النجار مخلّع.

أيقنت أن مشلكتنا هي “الخبالة” وتعريفها النسبي.

مقالات ذات علاقة

الطب والإعلام ومجلس الشورى: هيئة سلامة المرضى

هل يخطئ الأطباء؟

 

ما السبب؟

عبدالرحمن ، صالح ، فيصل ، فواز

أربع كلمات ورَدْ غطاها ، أسماء عالمية خسرناها “هنا” ، وإن سألت لمَ؟

السبب: مرحبا

 
 

المستشفيات الجامعية: حقيقة أم خيال؟

تريثت قبل أن أكتب هذه المقالة وسألت نفسي هل هناك عمل أقوم به أفضل من كتابة هذه المقالة مثل كتابة بحث يساعد في ترقيتي أو قضاء وقت في عيادة خاصة تساعد في الوضع المالي المتأزم لأعضاء هيئة التدريس الأطباء أو التجهيز لبعض المحاضرات في بعض المؤتمرات التي أشارك فيها أو قبل ذلك قضاء وقت ثمين مع أفراد أسرتي؟ أيقنت أن كل ماذكرت أفضل من أن أكتب مقالة لا تسمن ولا تغنى من جوع.

ثم تساءلت هل هذه هي الوسيلة المناسبة لإيصال فكرة أو رأي؟ ، فتراجع بي الزمن سريعا إلى عام ٢٠٠٨م عندما نشرت ورقة علمية مع مجموعة من أساتذتي في التعليم الطبي حول الحاجة لامتحان إلزامي لترخيص مزاولة الطب لجميع خريجي الكليات الطبية في المملكة ، كان هدفنا وقتها أن نقترح معيارا قويا لمخرجات كليات الطب الجديدة ، وقد كان عددها ٢٥ كلية طب حينئذ ، وللأسف لم يحدث أي تقدم في المقترح ، بل ازداد عدد كليات الطب إلى أكثر من ٣٠ كلية طب ، أغلقت بعضها ومهدد بعضها بالإغلاق. فتأكدت حينها أن تلك المحاولة الأولى في إرساء مفهوم النقاش العلمي لتخطيط مستقبل التعليم الطبي باءت بالفشل ، فما بالك برسالة عادية موجهة لمسؤول قد تتعرض للإتلاف من أي موظف.

Read the rest of this entry »

 

علمني البياري

علمني البياري

نجيد النقد والتهكم والكيل بوابل الألفاظ على أقل خطأ يصدر من مسؤول ، أما إن حاولنا أن نحق الحق ونشكر من يبدع فستجد ألفاظ التنمق والتطبيل و”التميلح” .

كتبت قبل أيام تغريدات في تويتر مدحا في الدكتور محمد بن مصطفى بياري عميد كلية طب الأسنان بجامعة أم القرى ، فكان تفاعل البعض أنها تطبيلا ، فاقتنعت أنه لايليق بأكاديمي بقامة البياري إلا مقالة نابعة من القلب ، فقد علمني البياري الكثير. عملت معه لمدة عامين كوكيل لكلية طب الأسنان للتطوير الأكاديمي وخدمة المجتمع ، ولاتربطني به اليوم أي علاقة وكل منا في كلية ولم نتحدث منذ أشهر. ولكن علمني البياري بأفعاله.

علمني البياري ، حب مكة وحب أهلها وجامعتها وحب الوطن.

علمني البياري ، أن أتحدث وأكتب وأقرأ وأضحك وأبكي جامعة أم القرى.

Read the rest of this entry »

 

الطب والإعلام ومجلس الشورى: هيئة سلامة المرضى

كتبت قبل عام مستهجنا طريقة تعامل الإعلام مع قضايا الأخطاء الطبية ، واللبس الواضح في كثير من الحالات التي تنشر في الصحافة بين مفهوم “الأخطاء الطبية” و “المضاعفات الطبية” ، وتأثير ذلك السلبي على ثقة المجتمع في المهنة الطبية ، وعلى علاقة المريض بالطبيب ، وعلى الحركة الطبية في المملكة بشكل عام. للأسف ما يقوم به الإعلام بسرد القصص الغير موثقة والغير محققة علميا يضر المجتمع أكثر من خدمته.

لن أكرر ما كتبته قبل عام  متسائلا “هل يخطئ الأطباء؟”، ولكن المتابع للصحافة المحلية خلال العام الماضي يلحظ تدهور العلاقة بين الإعلام والطب ، ويسمع عن مقتل طبيب على يد مريض ، وضرب طبيب بالحذاء وتحطيم عيادته ، وقبل أيام أطل علينا الأستاذ تركي الدخيل بمقاله “مستشفيات .. أم مسالخ؟” ولحقه الأستاذ صالح الطريقي بمقاله “مستشفيات ومسالخ” ، فأي لغة تخاطب يتعاملون بها؟ ومن سيحفظ سمعة الطب في السعودية؟

Read the rest of this entry »

 

كلية الطب غير

لا يختلف اثنان على خصوصية الكليات الطبية والصحية مقارنة ببقية الكليات ، ليس تفضيلاً للعلم الطبي ولا علواً وغطرسة والعياذ بالله ، ولكن لأمور سيتم ذكرها بالتفصيل فيما بعد. ومن الملاحظ أن بعض الجامعات ومسؤوليها يتناسوا في خضم المعمعة الأكاديمية هذه الفروقات مما يؤثر على سير العمل في هذه الكليات الطبية.

أولا: ابتداء من قبول الطلاب ، حيث تشمل آلية القبول في معظم كليات الطب المقابلة الشخصية حيث أن شخصية الطالب ومهاراته في التواصل من المعايير المهمة في طبيب المستقبل. وللأسف نجد بعض الجامعات يكون الرأي الأول والأخير لعميد القبول والتسجيل في آلية قبول الطلاب فتراه يرفض فكرة المقابلة الشخصية من مبدأ مساواة الكليات ببعضها وكذلك من مبدأ درء الفتن وصك الباب الذي يأتي منه الريح (الواسطات).

Read the rest of this entry »

 
 
 
%d مدونون معجبون بهذه: